أحمد الجاراللهسمو الرئيسيُحكى أنَّ جزاراً كان يقطع اللحم فطارت شظية عظم استقرت في عينه، باتت تؤلمُهُ، وفي ذاك الزمن كان الحلاقون هم أطباء القرى والأحياء، فذهب إلى حلاق القرية.عندما رأى الأخير عين الرجل قال له: "بسيطة، لا تحتاج سوى تعقيم وشيء من المرهم، ثم ضمَّد عينه"، وقال له: "كل يوم ننظف العين".في اليوم الثاني جاء الجزار حاملاً كيلو لحم، وآخر من الكبد للحلاق، الذي عمل على تنظيف العين، ودهنها بالمرهم، فيما لم يُحرك الشظية من مكانها أبداً.بقي الوضع على هذه الحال لأيام عدة، وفي يوم ما جاء الجزار ولم يجد الحلاق، بل وجد ابنه، فقال للولد: "هل علمك أبوك الصنعة؟".قال الولد: "نعم".فقال الجزار: "انظر إلى فتات العظم في عيني".قال الولد: "بسيطة، سأسحبها". وبالفعل سحبها في ثوان ونظف عين الرجل.مساءً عاد الحلاق إلى بيته وسأل الولد: "كيف كان عملك اليوم؟".أجاب: "جاء جزار وفي عينه قذاة سحبتها، فإذا هي جزء صغير من العظم".غضب الأب كثيراً من تصرُّف ولده، وعندما سأله ابنه عن سبب ذلك، قال الأب: "يا بني، كان الجزار يأتي إليَّ يومياً بلحم وكبد؛ كي أعالج عينه، أما الآن فلن يأتي أبداً؛ لأن عينه لن تؤلمه، لقد أضعت علينا أكل اللحم!".
سمو الرئيسفي كلِّ دول العالم التي يُحترم فيها القانون، وتسودها النزاهة تلزم الحكومات المشاريع الكبرى إلى شركات عالمية لديها سمعة جيدة في إنجاز الأعمال، ومن دون أي تكاليف إضافية، إذ يكون ذلك بنظام الـ"BOT"، (التشييد والتشغيل ونقل الملكية)، إلا في الكويت حيث يجري التلزيم من خلال المحاباة، والواسطة، سواء كان ذلك من خلال لجنة المناقصات، أو بالأمر المباشر.وهناك مشاريع لم تنجز منذ ست أو سبع سنوات؛ لأنَّ الشركات تعمل على زيادة التكاليف عبر ما يُسمّى "الأوامر التغييرية"، ولنا مثال في "المدينة الجامعية" و"دروازة العبد الزراق" والمطار الجديد، ومشاريع الديوان الأميري، وغيرها من الأعمال الإنشائية، التي لو كانت في بلد آخر لأنجزت حتى قبل موعدها وبتكاليف أقل بكثير من كلفتها في الكويت.هناك رفع للأسعار بشكل لافت، فهل يُعقل مثلاً، أن يتكلف مشروع تطوير طريق الفحيحيل السريع (39 كيلومتراً) ملياراً و335 مليون دينار، وأن تكون مدة التنفيذ 14 عاماً، بينما الطريق المُمتد عبر الربع الخالي بين سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية وبطول 564 كيلومتراً بلغت تكلفته 250 مليون دولار أميركي، أي ما يعادل 77 مليون دينار كويتي؟!أليس في الأسعار والتكاليف زيادة خيالية، وإذا كان هذا المشروع المعلن عنه قبل أسابيع سيُكلف المال العام هذا المبلغ، فكم من المشاريع التي "انباقت" أمام عيون الحكومات ومجالس الأمة المتعاقبة؟سمو الرئيسالدولة، وبصريح العبارة منهوبة، وحلاقو المال العام معروفون، الذين يتركون شظايا في عيون المشاريع عبر "الأوامر التغييرية" وحلب ضرع الخزينة حتى الثمالة؛ لأن الرقابة كما تقول العامة "لك عليها"، ويجري ذلك بينما الحكومات مُنشغلة في الصراع على القشور مع مجالس الأمة.سمو الرئيسقلنا سابقاً ونُكررها اليوم: لدى سموكم الفرصة لتخليص الكويت من حلاقي المال العام، ومنعهم من ترك شظايا، ليس العظام فقط في المشاريع، بل أيضاً في التعيينات الفاسدة، التي تسبَّبت في السنوات الأخيرة بجعل الباب الأول من الميزانية يتضاعف إلى حد غير معقول، فهل ستكون هذه الحكومة المداوي لعين الدولة الكليلة؟
[email protected]