الجمعة 17 أبريل 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

أميركا وإيران: "No Deal"

Time
السبت 17 أبريل 2021
السياسة
د. ميشال الشمّاعي

قد يبدو عنوان المقالة للوهلة الأولى غير واقعيّ، أو قد يدرجه بعضهم في خانة التمنيات السورّيّاليّة، لكن من المفيد في ذلك استرجاع تاريخ العلاقات الأميركيّة الخارجيّة؛ إضافة إلى كيفيّة إدارة ملفّات التفاوض من الأميركيّين وما نتج عنها في الدّول التي خاضت هذه التجارب على مرّ التاريخ.
نسترجع المسار التفاوضي الذي كان دائرًا في زمن الحرب الكونية الثانية بين الحلفاء واليابانيّين، بإشراف ووساطة وحضور الأميركيين، فقد شنّت بحرية الإمبراطورية اليابانية في 7 ديسمبر 1941 غارة جوية مباغتة على الأسطول الأميركي القابع في المحيط الهادئ في قاعدته البحرية في ميناء «بيرل هاربر» بجزر هاواي، فغيّر هذا الحدث مجرى التاريخ، وأرغم الولايات المتحدة على دخول الحرب العالمية الثانية.
صحيح أنّ المفاوضات مع إيران سلكت مسارًا إيجابيًّا، إلى حدّ ما، في الآونة الأخيرة، ولقد أظهرت الادارة الأميركيّة عدم استعجالها على إنهاء التفاوض، بل العكس تمامًا إنّها ما زالت متريّثة حتّى هذه اللحظة، في حين أنّ الجمهوريّة الاسلاميّة أعلنت استكمالها تخصيب اليورانيوم حتّى 60 في المئة، من دون أن تتأثّر بالمسار التفاوضي، وذلك كردّ فعل على تفجير منشأة نطنز النووية الإيرانيّة وفق ما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، يوم الثلاثاء الفائت، نقلا عن مسؤول استخباراتي أميركي، أنّ الانفجار الذي وقع في مفاعل نطنز، تمّ بواسطة عبوة ناسفة تم تهريبها داخل المنشأة وتفجيرها عن بعد.
وسارعت إيران إلى صيانة منشآتها في محافظة أصفهان وسط البلاد، التي تُعتَبَرُ محور برنامجها لتخصيب اليورانيوم والتي تخضع لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.
وأكّد مندوب إيران الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا، كاظم غريب آبادي، أن عمليّة التخصيب في المنشأة لم تتوقّف بعد استهدافها، واتّهمت إيران إسرائيل بالعملية، بهدف تقويض المفاوضات حول العودة للاتفاق النووي الإيراني الجارية في فيينا.
فيما أفادت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية بوجود تقارير ترجح أن يكون هجوم إلكتروني هو ما تسبّب في الخلل الفني وانقطاع التيار الكهربائي في المنشأة، ورجحت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أنّ الخلل الذي أصاب المنشأة ناجم عن هجوم إلكتروني إسرائيلي أدّى إلى تعطيل نشاطها.
يأتي هذا الحادث بعد أسبوع من الهجوم على سفينة إيرانية في البحر الأحمر، اتُّهمت إسرائيل بتنفيذه، مشيرة إلى أن المعركة الخفية الدائرة بين إسرائيل وإيران لم تعد سرية. وفي السياق عينه يجب ألا نغفل ما حدث في نوفمبر الماضي حيث اغتيل العالم النووي الإيراني البارز محسن فخري زاده في طهران، في عملية وصفتها السلطات الإيرانية بالمعقدة، واتهمت إسرائيل بالوقوف وراءها.
هذه الهدنة الأميركيّة مع إيران تزامنت إذًا مع تصعيد إسرائيلي غير معلَن، فيما الردّ الايراني أتى برفع نسبة التخصيب إلى 60 في المئة في دلالة واضحة على أنّ الجمهوريّة الاسلاميّة لن توقف برنامجها المقرّر لا تحت وطأة التهديد المباشر، ولا تحت وطأة الاغراءات التفاوضيّة.
وذلك كلّه وسط صمت أميركيّ مُريب جدًّا، لكنّ الأميركيّين يحضّرون شيئًا ما لإيران في مكان لا تترقّبه الجمهوريّة الاسلاميّة، ويُخشى أن يكون هذا المكان هو الدّاخل الايراني لأنّه السبيل الوحيد لإيقاف المفاوضات، أو بالحدّ الأدنى لتدجينها وحرف مسارها كما تريده الولايات المتّحدة التي تعلن عكس ما تضمر دائمًا.
فالتجارب في منطقة الخليج كافية، لقد أُغرِقَت قطر وتركيا في الوحول السوريّة، ولمّا ارتاحت تركيا في جبهة شمال سورية نُقِلَ صراعها إلى ليبيا.
لبنان يئنّ تحت وطأة أزماته المتتالية من الاقتصاد حتّى النقد، فالأمن والاستقرار ولا حلول في المدى المنظور، أمّا العراق فغارق في الوحول المذهبيّة والأذرع الايرانيّة تعيث فيه فسادًا وخرابًا على قاعدة النموذج اللبناني.
ذلك كلّه، لا يطمئن ولا يؤكّد نجاح أو على الأقلّ استمرار المفاوضات.
يبدو أنّ الأميركيّين يترقّبون أيّ ردّ فعل إيراني على أيّ استفزاز، في إيران أو خارجها، من إسرائيل أو غيرها، لينفّذوا «بيرل هاربور» الألفيّة الثالثة، ولا يمكن السماح لأقليّة دينيّة أن تكون مصدر خطر لأميركا بحدّ ذاتها، حيث أرادها الأميركيّون مصدر تهديد محلّيا للجوار فقط، فمتى خرجت عن هذا الدّور سيتمّ إعادتها إلى حجمها الطبيعي، والسبل كلّها متاحة، والعبقريّ مَن يقرأ تاريخ الولايات المتّحدة بالطريقة الصحيحة،ومن له أذنان للسماع ... فليسمع!

أستاذ جامعي لبناني
[email protected]
آخر الأخبار