أحمد الجاراللهلا غرابة في بلاد الواق واق إذا نعب الغراب فأطرب من لا يتذوقون أصوات البلابل والعصافير، لأن كل شيء فيها ينتهي إلى الخراب، بسبب عدم اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب.وعلى تلك البلاد تنطبق حكاية من التراث الشعبي العراقي عن فقير يحلم بشراء حمار، فيقتطع من قوت عياله كي يدخر ثمنه، ولما استطاع إلى ذلك سبيلاً اشترى واحداً شرساً، ومن فرحته به أراد أن يكرمه فأَصعده إلى سطح بيته الطيني، وبدأ يريه معالم قريته، ويدله على بيوتها ومضارب عشائرها وأزقتها، كي يعرف الطرقات والعودة إلى البيت بمفرده.عند مغيب الشمس أراد الرجل إنزال حماره من على السطح لإدخاله الزريبة، لكنه حرن ولم يتحرك من مكانه، وحين حاول إنزاله عنوة راح يرفس ويدور في أرضه، ناهقاً بصوت منكر، فيما سقف البيت المتهالك يهتز تحت قدمي الرجل الذي هبط سريعاً إلى منزله لإخلاء زوجته وأطفاله، وما هي إلا دقائق حتى انهار السقف وسقط الحمار ميتاً.وقف صاحبنا عند رأس حماره النافق وقال: "لست أنت المخطئ، بل أنا لأنني أَصعدتك إلى السطح، بينما مكانك هناك في الزريبة".هكذا هي الحال في بلاد الواق واق حيث يهبط المسؤولون بمظلة الواسطة على مناصبهم، فلا يتركونها إلا بعد خراب البصرة، وإذا صادف أن نُقل أحدهم أو أُقيل، أو حتى وصل إلى سن التقاعد ورفض إفساح المجال لغيره، سارع إلى رفع الدعاوى القضائية، لعلمه أن القانون قد فُصل على مقاس رغباته.ففي تلك البلاد تتدخل الوجاهات القبلية، والنزوات الطائفية، وحظوات النافذين في سَن تشريعات اُختير لها نواب لا يفقهون بالقانون، فيما في بلاد النور فقوة الإدارة وتطورها من حسن اختيار المساعدين والمستشارين والمسؤولين، بينما في الواق واق حيث تكثر الجعجعة ويقل الطحين، فالشهادة ليست ما تعلَّمه المرء في الجامعات أو من خبرته في عمله طوال سنوات، إنما الأصل والفصل والوجاهة والتطبيل للنافذين جواز مرور إلى المناصب.في تلك البلاد يُبعَد القوي الأمين، صاحب المهارة والخبرة والمدبر المحنك الصابر على أذى وعدم فهم مسؤوليه، فيما يقرب الناهق الرافس فيكثر العجاج وتعمى البصائر من غبار التخبط، لأن كل هابط على منصب يجمع ربعه حوله، ويوليهم المسؤوليات فتتحول الوزارات مجالس لهو وعبث، حيث يصبح الغث صاحب أمر، والسمين يُحَارب، فتموت المعاملات في أدراج المسؤولين، وتتأخر القرارات، وتتعطل مصالح العباد، وتغرق البلاد في الجدب.في تلك البلاد كَثُر الهابطون في المظلات على المناصب، بينما نَدُر أصحاب الشهادات العلمية الصحيحة بعدما أصبح القرار لعديمي الخبرة أصحاب الشهادات المزيفة والمشتراة من البقالات، لذا يبقى على السطح الحمير فيما يزداد السقف تهالكا ليسقط في النهاية على رؤوس ساكني المنزل، فيحل فيه الخراب، عندها يبدأ الندابون ندبهم الممجوج عن سوء اختيارهم، ويكثر نعيب الغربان في الخرائب.