الأربعاء 15 أبريل 2026
22°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأولى   /   الافتتاحية

إلى حكام المنطقة... اقرأوا توصيات مكيافيلي حتى لا تفقدوا عروشكم

Time
السبت 28 مايو 2022
السياسة
أحمد الجارالله

كيف سيتصرَّفُ القائدُ حين يواجه أزمة ما في بلده؟ هل يُحوِّلها فرصة للإصلاح واستكمال عملية البناء، أم يخضع لتهديدها فيؤدي إلى سقوط الدولة؟
هذا السؤال طرحه الكثير من القادة على أنفسهم، لذا بعضهم واجه التحديات وحفر اسمه في التاريخ، والآخر طواه النسيان؛ بسبب عدم قدرته على فهم طبيعة مهمته، فهناك الكثير من الشخصيات التي تتذكرها الأمم عند المنعطفات الكبيرة، وكيف تصرفوا لإنقاذ بلادهم، فالأميركيون -مثلاً- يتذكرون من أصل 46 رئيساً للولايات المتحدة، البعض منهم، كجورج واشنطن، وإبراهام لينكولن، وهاري ترومان وفرانكلين رزفلت، فهؤلاء غيَّروا مصير تلك الدولة الكبيرة وجعلوها الأولى عالمياً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، وفتحوا أبوابها أمام كلِّ المبدعين والمبتكرين.
كذلك من النهضويين الذين لايزال يذكرهم التاريخ محمد علي باشا باني النهضة المصرية الحديثة، والملك عبدالعزيز بن سعود موحد المملكة العربية السعودية الدولة- القارة، والشيخ مبارك الصباح الذي تحدّى كل الظروف الصعبة، الإقليمية والمحلية، سياسياً واقتصادياً، وأسس الكويت الحديثة، وكذلك الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان موحد دولة الإمارات العربية، وغيرهم.
هؤلاء كانت لديهم الرغبة في بناء دول قادرة على الاستمرار والتطور، لذا استطاعوا التغلب على المصاعب كافة بالإمكانات المحدودة، فعملوا بحكنة على السير في حقول الألغام لخلاص بلادهم، لهذا تحوَّلوا علامات فارقة في التاريخ السياسي.
لم يعملوا بمفردهم، بل استعانوا بالخبراء والمستشارين الصالحين، ولم يختاورا أحداً مما اعتبره نيكولو مكيافيلي في مطالع القرن السادس عشر بكتابه "الأمير" عامل هدم للدولة، بل اختاروا الأمناء؛ لأنهم يكونون صورة الحاكم لدى الأمة، فمن هؤلاء يُمكن تقييمه، فإذا كانوا مُخلصين يعتبر القائد من الحكماء؛ لأنه استطاع أن يُحدد قدرات أمنائه ويحافظ على إخلاصهم، ويوجههم إلى خدمة البلاد.
وللدلالة على ذلك يستشهد مكيافيلي بأنطونيو دافنافرو وزير باندولفو بتروشي، أمير سيينا، آنذاك، الذي رأى فيه أميراً حكيماً لاختياره أنطونيو وزيراً له، وفي هذا الشأن كتب المفكر الإيطالي: "إن الرجال ثلاثة عقول مختلفة، الأول يفهم الأمور دون أن يحتاج مساعدة أحد، والثاني يفهمها حين يوضحها له غيره، والثالث لا يفهم الأمور بمفرده ولا حين يشرحها له أحدهم، وهذا يكون عديم المنفعة، فيكثر حوله المنافقون الذين يُصبحون جيشه الداخلي، يُباهون بحكمته حتى لو كان أكبر الحمقى، ويدافعون عنه أمام الشعب باستماتة".
فمثل هؤلاء يُمهدون لسقوط دولهم؛ لأنهم يعمدون إلى إثارة الفتن والقلاقل؛ كي يثبتوا للحاكم أنهم يواجهون مؤامرة كبيرة، فيما القادة العظماء الحكماء يستطيعون التمييز بين الأعمال السيئة والصالحة، فيُصصحون الأولى، ويحضون على الثانية، لكن قبل كل شيء على الحاكم أن يعرف وزيره، فإذا وجده يفكر بنفسه في كل أعماله أكثر مما يفكر بمصلحة الأمير، التي هي مصلحة الدولة، فهو ليس صالحاً، ولا يُمكن الاعتماد عليه.
ومما حدده مكيافيلي لصفات الحاكم المثالية، الاستعداد لتقليد سلوك الرجال العظماء المُعاصرين أو السابقين، والقدرة على إظهار الحاجة إلى وجود حكومة من أجل رفاه الشعب، والقيادة في فن الحرب سعياً إلى بقاء الدولة، والحصافة والحكمة في التماس المشورة عند الضرورة؛ وقبل كل شيء على الحاكم المثالي أن يُوجد الدولة ويحافِظ عليها.
أحياناً يحتاج القائد إلى القسوة لمواجهة من يسعى إلى إضعاف حكمه، أكان مباشرة أو غير مباشرة، ولهذا يبقى حريصاً على الاستعانة بالرجال الخبراء الأوفياء، الذين يعملون على تحقيق رغبته في البناء وتقدم المجتمع، فالقادة الذين فقدوا عروشهم كانت البداية من مُعاداتهم لشعبهم، حين جمعوا حولهم قليلي الخبرة والمُنافقين الذين عملوا على عزل الحاكم عن محيطه الطبيعي، أي مجتمعه، ولذلك فإن على الذين فقدوا عروشهم ألا يتهموا الحظ كسبب لخسارتهم، بل الأجدر بهم أن يلوموا أنفسهم على إهمالهم، فما من عاقل يرغب في السقوط، إلا ذاك الذي لا يُقيم وزناً للمشورة والأمانة، فطرق الدفاع الصالحة الوحيدة والأكيدة تعتمد على قدرات الحاكم وعلى مستشاريه الصالحين، الذين يسعَوْن إلى جمع الشعب حوله، وتأمين رفاهية الأمة وحمايتها من أعداء الداخل والخارج في آن واحد.
آخر الأخبار