الأربعاء 29 مايو 2024
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
اقتصاديات الفساد
play icon
كل الآراء

اقتصاديات الفساد

Time
الاحد 03 سبتمبر 2023
View
119
د.سعد عبدالله الجدعان

ثمار الفكر

من المعروف أن الاقتصاد هو القاطرة التي تسير على قضبان السياسة، وأن كلاهما وجهان لعملة واحدة، لكن في ظل ما يشهده العالم من تطورات مذهلة أصبح الاقتصاد هو اللاعب الأكبر، والذى له تأثيره الضخم حتى على السياسة، وأصبح رجال السياسة يغازلون رجال الاقتصاد.
ولأن العالم أصبح قرية كونية صغيرة، فقد أصبحت الشركات الكبرى متعددة الجنسية هي التي تتحكم في الكثير من القرارات الدولية.
وإذا كان العالم قد شهد موجات تحرر استعماري كبرى في القرن الماضي، فإن هذه الكيانات الاقتصادية العملاقة، عاودت ظهور الوجه الاستعماري لهذه الشركات بحثا، مرة أخرى، عن ثروات الشعوب والأمم.
هذا الأمر جعل تلك الشركات تستخدم الفساد كسلاح في الوصول إلى مآربها، فليس الفساد بالنسبة لها إلا تحقيق منافع، وزيادة في معدلات الأرباح، والتلاعب حتي بالأنظمة السياسية.
وبنظرة واحدة تستطيع أن تدرك أن هؤلاء الذين يمتلكون هذه الشركات هم من يرسمون المشهد العالمي، بما فيه من أيديولوجيات، سياسية واقتصادية، بل وعسكرية، وتتحرك جيوش دول من أجل مصالح هذه الشركات الخاصة، لأنها أصبحت تمثل رمزا للكثير من الدول.
وما شهدناه من فصول المعركة الأميركية - الصينية حول استخدام بعض التطبيقات، التي تنتجها شركات عملاقة، يؤكد أن الاقتصاد هو المحرك الأكبر للسياسة، وقد ثارت اتهامات كبرى بدفع رشاوى للفوز بتنفيذ التعاقدات بين دول صناعية ودول أخرى مستوردة، مثل بيع فرنسا غواصات لباكستان، مقابل رشاوى، وحينها رفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك، حين كان في الحكم، دفع الرشاوى بعد إبرام العقود، مما أدى بالوسطاء إلى قتل إحدى عشر مواطنا فرنسيا في باكستان.
واستخدمت البنوك العالمية الكبرى مؤسساتها في نقل وغسل الأموال، رغم ما تكبدته هذه البنوك من غرامات فادحة، إلا أن ذلك لم يردعها عن الاستمرار في مواصلة طريقها بالممارسات نفسها، ووجهت الاتهامات إلى شركة "إرباص" لصناعات الطائرات كذلك، بدفع الرشاوى.
ولا يمكن استثناء هذه الكيانات الكبرى من ممارسة فتح أسواق خارجية لها إلا من خلال طرق ملتوية، فاسدة، حتى أصبح الفساد يمثل اقتصادا مهما ودائما، وهو ما تؤكده التسريبات التي تحدث من حين لأخر، على أن سرطان الفساد لا تفلت منه أي دولة، فهو ملتصق بالطبيعة البشرية، لكن الأهم من كل ذلك هو القدرة على تحييد الفساد والسيطرة عليه، وتوجيهه في ما يخدم مصلحة الأمة.
طالما أن الظاهرة موجودة، ولا يمكن استئصالها، فإن ميكافيللي ينصح بمدى أهمية تحيد الفساد، والسيطرة على ميكانزيم الممارسات الفاسدة، وتحييدها مثل تحيد الحصان الجامح، ولهذا فإن للفساد قيمة اقتصادية يمكن الاستناد عليها لتمرير الكثير من المبادلات، والصفقات التجارية الكبرى وإبرام العقود من قبل الدول الكبرى، والتي تجيد استخدام الفساد، لتحقيق مصالح تعود بالنفع والفائدة على مواطنيها، وهذا يتطلب فهم طرق تحييده.
فليست النظرة الضيقة لمفهوم الفساد، قادرة على فهم معادلة الفساد وتحليل طرفي هذه المعادلة، بل إنه توليفة ضخمة في النواحي الإدارية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بل والسياسية، والإقليمية والدولية، ولا يمكن فهم الفساد من منظور واحد، وإلا سنكون مثل مجموعة العميان الذين أمسك كل واحد منهم بجزء من الفيل، ولم يكن قادر على توصيف الجزء الذي يمسك به، لأنه لا يستطيع رؤية الفيل بشكل كامل.
مشكلتنا مع الفساد هو أننا ننظر إليه من زاوية واحدة، ولهذا دائما ما نعجز عن فهم الصورة كاملة، مما يدفعنا إلى تقديم تفسيرات واهية قد لا تنفع في شيء وقد يكون للظاهرة سلبياتها، كما أنها لا يمكن أن تخلو من ايجابيات، وإلا كيف تنتفع هذه الكيانات العملاقة باستخدام سلاح كهذه.

كاتب كويتي
متخصص في القانون الدولي

د.سعد عبدالله الجدعان

[email protected]

آخر الأخبار