د. حمود الحطاببالنسبة لي؛ فأحسن ما اطلعت عليه من الكتب في هذا المجال هو كتاب الشيخ محمد سليمان الأشقر "الفتيا ومناهج الافتاء"، وقد أجاد الشيخ وافاد في هذا المجال؛ فالافتاء موضوع يجهله كثير من المتخصصين في العلوم الشرعية ابتداءً؛ فما بالكم بعامة الناس. والفتوى فقه وفهم في أبعاد الموضوعات الدينية الاسلامية مرتبطة بفهم حاجة الشخص الذي يطلبها والوضع العام؛ وهي عبارة عن جواب لسؤال من سائل أشكلت عليه قضية دينية؛ فلا تكون الفتوى عادة دون سؤال؛ ولها مواصفاتها ومواصفات المفتي؛ فمن أول مواصفات المفتي كما بين الشيخ صاحب الكتاب أن يكون المفتي عالما ذا عقل راجح متميز يستطيع التفريق بين الموضوعات من خلال علمه وحكمته، وتراكم خبراته في الموضوعات المطلوب لها الفتيا. كما أن رجاحة العقل تملي عليه فهم طبيعة السؤال والفتوى وواقع حال الشخص المستفتي والظروف المحيطة؛ وتعد الفتوى من الأمور الشرعية المهمة؛ إذ تتوقف عليها مصالح وحاجات قد تخص فردا أو أمة؛ وقد يترتب عليها فتن ومشكلات وفق الظروف المحيطة.وكان العلماء السابقون لا يبادرون الى الافتاء، بل إنهم كانوا يتهربون منه، إن صح التعبير؛ فإذا سئل أحدهم عن امر كان ينتظر أن يجيب السؤال عالم آخر غير الذي سئل تفاديا للفتن والشبهات، والتأثير السلبي، على الخاصة والعامة؛ ودفعا بالعلم والعالم عن الابتذال. وإليكم هذا المثل الواقعي القريب؛ فقد تسابق مشايخ عدة في رمضان الفائت وما سبقه في بعض السنوات الفائتة الى المبادرة في التصدي بالفتوى في مسألة حقيرة في حجمها وأهميتها، نظرا لما يحيط بها وبظروف الاوضاع القائمة، وكانت تلك المسألة فتوى وفتاوى حول حل او حرمة ما يسمى "القرقيعان"؛ فتحمس بعض المشايخ هنا للدفاع عن هذه العادة الرمضانية، واشبعوا معارضيها نقدا ولوما، وخاضوا في اباحتها والحديث فيها ايما خوض، وهي لا تستحق كل هذه الانفعالات والاهتمام؛ مع ملاحظة أن الوقت الذي كانت تثار فيه مثل هذه الاسئلة في "القرقيعان" كان يصادف هجوم الصهاينة المتطرفين على المسجد الاقصى، والمعارك، والمواجهات التي اشتعلت بين الفلسطينيين وبين هؤلاء الدخلاء المحتلين المغتصبين.
وكان المفروض والمطلوب وفق توصيف المفتي والفتوى مراعاة الوضع القائم على الساحة الاسلامية في اقل الاحوال؛ ويمكن الاكتفاء بمثل هذا الرد الذي يقول: تسألون عن حل القرقيعان وحرمته، وتشغلون الرأي العام به، بينما المسجد الاقصى واخوانكم الفسطينيون يضحون بأرواحهم هناك في ارض فلسطين، فأي ملهاة تريدوننا ان نشغل الناس بها؟ كان الأجدر والأولى صرف الناس الى ما هو اهم من ذلك الافتاء، خصوصا ان بعض المشايخ المفتين لهم مكانة ثقافية عند الناس وليسوا سوقيين؛ فلم ينأوا بأنفسهم عن مثل هذا الخوض؛ وكانت نتيجة الفتوى من جانب آخر التوسع في هذه العادة وصل الى درجة الرقص في الشوارع، وشارك فيه رجال ونساء، وقل فيه الدين والحياء؛ فهل يتحمل المفتي خوضه في مثل هذه الموضوعات والتي احاط بها مسألتين: الاولى الظرف القائم في فلسطين في رمضان وتحديات الصهاينة للمسجد الاقصى؛ والمسألة الثانية هي خوف الفتنة وتوسع الناس في الموضوع حيث أخذوا الرخصة في الموضوع، واحبوا الظهور بهذه العادة واظهارها بشكل فيه تحد، فكانت الاساءة للشهر رمضان الفضيل من جانب، والهاء الناس اعلاميا عن فعل الصهاينة في الاقصى... رقص وغناء في الشوارع والالهاء عن قضية الاقصى والصهاينة؛ وصدق الشيخ محمد سليمان الاشقر عندما ركز على عقل وحكمة المفتي كشرط للفتوى... وللحديث بقية إن شاء الله.$ كاتب كويتي
[email protected]