الجمعة 21 يونيو 2024
43°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الانهيار الأخطر للقضية الفلسطينية
play icon
كل الآراء

الانهيار الأخطر للقضية الفلسطينية

Time
الخميس 16 نوفمبر 2023
View
275
sulieman

رغم البكائيات المنثورة على دماء المدنيين والعزل من أبناء الشعب الفلسطيني.
ورغم حالة الحشد العاطفي المحمومة التي تشنها تنظيمات وجماعات أيديولوجية إرهابية بالتنسيق مع بعض الدول الاقليمية، فإن القضية الفلسطينية تواجه أخطر منزلق في تاريخها، فالقضية نفسها باتت مهددة بالاندثار، وهناك توجه نحو تحويلها عنوانا فرعيا في صراع يطغى عليه الجانب الديني، برعاية إيرانية صرف.
تتحول القضية تدريجياً مادة في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وما يسمى محور "المقاومة"، وهو صراع سيتحول ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، في حال نجح هذا المحور في انهاء الصراع الدائر في غزة لمصلحته.
واللافت هنا أن "حماس" الإرهابية ارتكبت خطيئة تاريخية، حين لم تنتبه إلى خطورة وتبعات نزع الهوية عن القضية الفلسطينية، والتورط في العمل ضمن محور إقليمي يسعى إلى تحقيق أهداف ستراتيجية لا علاقة لها بالقضية والشعب الفلسطيني، إنما بأهداف تتصل بضمان المكانة والنفوذ لإيران، وحلفائها من التنظيمات والميلشيات.
حصر القضية الفلسطينية في صراع "حماس" وإسرائيل هو الجريمة الأخطر التي ارتكبتها الحركة بإيعاز من طهران، فلم يعد أحد يتحدث عن مصير الشعب الفلسطيني، ولا تسمع أحدا يتكلم عن مستقبل القدس، ولا عن أراضي 1967، ولا اللاجئين، ولا غير ذلك من ثوابت الملف الفلسطيني.
بل بات الحديث حول مستقبل غزة نفسها، ومن يديرها، ومن يتولى المسؤولية الأمنية فيها، وعن المستشفيات، وأين تقام وكيف تمول، وتوفير الطعام والغذاء.
والأهم من هذا وذاك برأي "حماس" وشركائها، هو مصير المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية!
ما كان أي عاقل يخشاه منذ السابع من أكتوبر الماضي، هو أن تختزل القضية الفلسطينية بصراع غزة، وأن تتحول الجهود والمساعي العربية والدولية من البحث عن تسوية نهائية عادلة للقضية إلى سعي حثيث لإخراج القوات الإسرائيل إلى حدود ما قبل السابع من أكتوبر 2023، ما يحول مسار القضية برمتها، بحيث تتحول كلياً قضية انسانية بحت، شأنها شأن قضايا دولية عدة يريد أصحابها الحصول على هويات في أي دولة، وكفى!
ندرك أننا نكتب في التوقيت الخاطىء، لأن لا أحد عربياً يريد أن يسمع صوت العقل، والكل يبحث عن "بطل"، ويفاخر ببطولات "أبو عبيدة" (المتحدث باسم كتائب "القسام") في ردة للوراء تذكرنا بما فعله بن لادن ورفاقه في 11 من سبتمبر 2001، حين هلل السذج والبسطاء، والاغبياء، لتدمير برج التجارة العالمي بنيويورك، ولم ينتبه أحدهم للثمن الرهيب الذي ستدفعه الشعوب الإسلامية جراء هذه الاعتداءات الآثمة.
الأمانة تقتضي أن ندق أجراس الخطر من ضياع القضية الفلسطينية، وتحولها من قضية حقوقية عادلة إلى ملف انساني، وعنوان فرعي ضمن عناوين الصراع الستراتيجي الإقليمي والدولي، بغرض ترسيم قواعد النظام العالمي الجديد.
نعتقد أن الأطراف الفلسطينية مسؤولة عما يحدث وليست "حماس" فقط، وإن كانت هي الطرف الذي دفع بالأمور إلى الهاوية الحالية، فالسلطة أيضاً تبدو غير منتبهة إلى السيناريو الخطير الذي يهدد القضية والشعب، ولا يهمها سوى الحصول على "كعكة" غزة والانتقام من أعدائها "الحمساويون"، واثبات دورها كممثل وحيد عن الشعب الفلسطيني، لكنها لا تمتلك تصوراً حقيقياً لإدارة الأزمة، ولم تشغل نفسها بوضع بدائل تضمن تسوية ما بعد الحرب، بما يضمن استمرار بقاء غزة ضمن الأراضي الفلسطينية، كما كانت عليه الحال قبل السابع من أكتوبر، وتكتفي فقط بمناشدة الأطراف الدولية، ومطالبتها أن تكفل لها حكم غزة!
جريمة أصحاب القرار الفلسطيني لم تبدأ في "طوفان الأقصى"، بل بدأت حين تحالفت "حماس"، ولا تزال، مع طهران وبقية أذرع ما يسمى"محور المقاومة"، ولم تنتبه إلى خطورة تحولها من حركة نضال وطني مشروع إلى "ترس" في آلة الارهاب الطائفي، الذي تديره إيران.
وبدأت كذلك حين صمت الجميع على تنامي قوة الميلشيات الإرهابية بما فيها "حماس" و"حزب الله" حتى تحولت تهديدا تتحسب له القوة الأعظم عالمياً(!)، واستغلت هذه التنظيمات الإرهابية السنوات الطويلة الماضية في تعزيز قدراتها، وتطوير قواتها، حتى خرجت بأزمة وقف الجميع عاجزاً أمامها.
لا أحد يحب البكاء على اللبن المسكوب، لكننا نكتب لأننا نرى الخطأ يتواصل، ولا تزال يد إيران هي الأعلى، ولها الكلمة العليا في التحكم بدفة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
والكل يتابع إطلاق الصواريخ من اليمن والعراق وسورية ولبنان وغزة، من دون أن يمتلك حلولاً، ولو أن الصراع في غزة انتهى، لخرج كل هؤلاء يهتفون ويحتفلون بتحقيق نصر وهمي، على جثث أكثر من عشرات الآلاف من الضحايا.
الكل ينتظر أن تأتي الحلول من الولايات المتحدة، والكل يعلم أن إدارة الرئيس بايدن لم تستطع خوض صراع عسكري منذ توليها السلطة، فكيف لها أن تقرر خوض صراع وهي تستعد لانتخابات رئاسية تطمح من خلالها للحصول على ولاية رئاسية ثانية؟
لا ادعو هنا لمواقف عربية غير واقعية، أو خارج حدود المنطق والمعقول، ولانحمل أحد بعينه مسؤولية هذه التراكمات التاريخية التي شارك الجميع، اقليمياً ودولياً، في وجودها وترسخها واستمرارها.
لكن ليس من المنطق ألا تسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية، وأن تدرك كل الأطراف أن تشخيص الواقع بدقة هو البداية الصحيحة للعلاج، الذي يبدأ بعلاج الأسباب لا الأعراض.

كاتب اماراتي

د. سالم الكتبي

آخر الأخبار