الخميس 12 مارس 2026
20°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

"الحالة المغربية" بين الرياضة والسياسة

Time
الأربعاء 28 ديسمبر 2022
السياسة
د.سالم الكتبي

طيلة فعاليات بطولة "كأس العالم" لكرة القدم 2022، التي إستضافتها دولة قطر، شاهد الجميع حالة جديدة ليست في كرة القدم فقط، بل على صعيد التفاعل العربي مع إنجازات المنتخب المغربي في البطولة، حيث أكتسبت وسائل التواصل الإجتماعي العربية باللون الأحمر دعماً للمنتخب الذي حقق إنتصارات كروية لم تكن تدور بخيال أكثر العرب تفاؤلاً.
"سير سير سير" التي تغنت بها الشوارع والمدن العربية على مدى نحو أيام، باتت شعار التقدم للأمام وإحراز الأهداف، في إطار يعكس رغبة جماعية وحاجة إلى نجاحات ترفع الروح المعنوية للشعوب، وترتقي بطموحات الشباب في منطقة تعاني بشكل مزمن من الإحباطات التي لا يحد منها سوى طاقات الأمل والنور التي تشع في بضعة نماذج تنموية عربية ناجحة سواء في الإمارات، أو السعودية، أو قطر.
مع كل تأثير الأمل الذي تحمله نجاحات بعض العرب فإنه يبقى لكرة القدم سحرها وبريقها، ويبقى للإنتصار فيها بصمات عميقة وكبرى في نفوس الشباب، و"الحالة المغربية" التي عشناها جميعاً إيجابية تسهم بشكل هائل في تغيير الصورة النمطية التقليدية السائدة عن العرب والمسلمين، وتدعم الإنطباع الإيجابي الذي خلفته الإستضافة القطرية المميزة للبطولة عالمياً، حيث تردد اسم المغرب كمنتخب قوي لبلد عربي مسلم يناطح أقوى الفرق الكروية عالمياً.
الحالة المغربية ستبقى فهي ليست محطة عابرة في تاريخ الرياضة العربية، والأمر هنا لا يتوقف على كرة القدم، فقد كسر اللاعبون المغاربة حجز الطموح، وارتقوا بالأحلام، التي لم يعد لها سقف، حيث لا مستحيل و لا حدود لو توافرت إرادة الفوز والانتصار.
هذه هي الروح التي نحتاجها في منطقتنا، سواء في الرياضة أو غيرها، كي تخرج دولنا من كبوتها ويشعر الشباب بالأمل في المستقبل، وهذه هي القوة المضادة للإحباط واليأس الذي يراهن عليه المتطرفون والإرهابيون في تجنيد عناصر جديدة لصفوفهم، وهي المصل الذي يمكن أن ينفخ في منطقتنا روحاً جديدة ونظرة مغايرة للمستقبل.
كرة القدم خصوصا، والرياضة عموما، حالة مضادة ولقاح يكافح التطرف والتشدد، وقد نجح المنتخب المغربي في وضع كرة القدم العربية في موقع المنافسة العالمية، وهذا أمر جيد للغاية، ونتوقع أن يتم إستثمار هذا الإنجاز، ليس على مستوى المملكة المغربية فقط، بل أيضاً على مستوى بقية دول المنطقة.
يقول البعض لا يجب تسييس الرياضة، لكن الواقع يقول إنها مسيسة بالفعل لأنها تتعلق بحياتنا وسعادتنا ومشاعرنا، وكل ذلك يقع في قلب السياسة، فقرارات تشكيل الفرق وأخبار الإنتصارات وإحراز الأهداف تفوق في تأثيرها أحياناً، بل في معظم الأحيان مفعول القرارات السياسية، ذات الصلة الوثيقة بحياة الناس، لأن الأهداف تمنح جرعات فورية من السعادة الجماعية تفوق أي قرارات أخرى قد يكون لها هدف مماثل لتحقيق السعادة، وهذه إحدى عجائب كرة القدم ومفاعيلها السحرية!
الحالة المغربية التي تحولت حالة عربية بل حالة عالمية، تبقى إستثنائية في تفردها وتأثيراتها، وليس في تكرارها مستقبلاً، فالبعض يقول إن منتخب المغرب قد وحد العرب وجمعهم بنجاح يفوق أي حدث سياسي، فقد حقق ما فشلت فيه القمم العربية والمؤتمرات التي عقدت بالمئات وتزينت بالشعارات، ووسائل الإعلام التي أنفقت عليها المليارات، كل ذلك فعلته أهداف وانتصارات كروية جمعت العرب من المشرق للمغرب، واللافت أن كل ما يتردد عن الحساسيات العربية قد تلاشى، وذابت الخلافات السياسية التي صوتت الشعوب بإنكارها ونفي أي صلة لها بها.
نجح لاعبو المغرب أيضاً في غرس مفاهيم وصور نمطية إنسانية رائعة في نفوس الجميع، لا سيما الشباب، حيث ستبقى صور أشرف حكيمي وسفيان بوفال مع والدتيهما رمزاً إنسانيا رائعاً لوفاء الابن، وقيمة الأمومة، ونشراً لثقافة تحتاجها الأجيال الجديدة وسط طوفان من الغث والسمين من المحتوى الإعلامي والترويجي والثقافي الذي يحاصر الجميع.
الحالة المغربية دعمت في حقيقة الأمر الإنطباعات والصور الجديدة، التي تلقاها العالم أجمع، شرقاً وغرباً، حول العرب والمسلمين، لاسيما النساء، فنساء العرب ليسوا "القاعدة" و"داعش"، بل هن جزء من واقع مجتمعي تابعه العالم أجمع في ملاعب قطر وشوارعها وفي كل المدن العربية التي خرجت احتفالاً بفوز المنتخب المغربي، وكأنه فوزاً لمنتخباتهم في إحساس ربما لا تجد له نظيراً سوى بين العرب، الذي تجمعهم في حقيقة الأمر مشاعر وروابط تحدثت الأدبيات السياسية عنها كثيراً ولكننا لم نراها سوى في وقائع تاريخية نادرة منها ما كشفت عنه "الحالة المغربية".

كاتب اماراتي
آخر الأخبار