الجمعة 17 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

الحرية الفكرية... الطريق إلى العلم والمعرفة والتقدم والرقي (2-2)

Time
الأربعاء 21 أبريل 2021
السياسة
عبدالنبي الشعلة

قد أطلق المأمون حرية التعبير أو حرية الكلام للباحثين وأهل الجدل والفلاسفة، فشجع المناظرات والحوارات والعصف العقلي في المسائل الدينية كوسيلة لنشر العلم وإزاحة التخلف والجهل، وكانت المناظرات بين العلماء والمفكرين في مجلسه قائمة على الحجج العقلية والمنطقية واحترام الرأي الآخر، ويروى أنه كان يزن بالذهب كل كتاب قيم جديد يُكتب في عصره، ويمنح الذهب إلى مؤلف ذلك الكتاب.
كما شجع المأمون العلماء على البحث والاجتهاد في أمور تتخطى حدود العقل وتفكيره السائد، أو كما يطلق عليه اليوم "خارج الصندوق"، ما أدى إلى انتشار الفكر الاعتزالي الذي يُعلي من قيمة العقل، ويجعله حكماً على النص من دون حدود أو قيود. وبذلك اختلف عن فكر السلفية الذين استخدموا العقل وسيلة لفهم النص وليس حاكماً.
إن هذا الطرح لا يعني أننا نتجاهل أو نتغاضى عما اقترفه وفعله الرشيد والمأمون مع من رفض الانصياع والخضوع لهما أو خالفهما في الرأي، فقد زج الرشيد بإمام الشيعة موسى بن جعفر الصادق في السجن بعد خلاف نشب بينهما، إلى أن فارق الحياة في غياهب زنازينه المظلمة، وبعد أن انضم المأمون إلى تيار المعتزلة وآمن بنظرية "خلق القرآن" وجعلها عقيدة رسمية للدولة وسعى إلى فرضها بالقوة والإكراه على جميع المسلمين، وتتبع وهدد كل رافض أو منكر لها بالتنكيل والقتل والسجن، بحيث عرفت هذه المرحلة
بـ "محنة خلق القرآن"، وكان أبرز مَن تعرّض للاضطهاد والتنكيل والجلد والحبس لرفضه هذه المقولة هو الإمام أحمد بن حنبل، الذي قضى أكثر من عامين ونصف في سجون العباسيين.
هذا في جانب، أما الجانب الذي أردنا التركيز عليه في هذه الوقفة هو التأكيد على عدم صحة القول بأن التقدم الفكري والعلمي والفلسفي والثقافي والحضاري يأتي على حساب المعتقدات الدينية، وأنه بطبيعته يتناقض معها كما يحاول أن يروج البعض، ففي الوقت الذي ازدهرت فيه حركة التأليف والترجمة والعلوم الانسانية والفلسفية وعلوم الطب والفلك والرياضيات والهندسة وغيرها في عهد هارون الرشيد وابنه المأمون، فقد ازدهرت في الوقت نفسه علوم الكلام والحديث والفقه الإسلامي، وولد علم تفسير القرآن وفصله عن علم الحديث، وانبثقت مظاهر التنوع والتعدد في الفكر الإسلامي، فظهرت في الفقه مدرستان كبيرتان هما مدرسة أهل الرأي في العراق ومدرسة أهل الحديث في المدينة المنورة، وقد ولدت أيضًا وترعرعت المذاهب الاسلامية السنية الأربعة في كنف الدولة العباسية، وعاصر هذه الحقبة أئمة الفقه الأربعة أبوحنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل.
كما عاش في الحقبة ذاتها عدد من أئمة المذهب الشيعي "الاثناعشري" وفي مقدمتهم الإمام جعفر بن محمد الصادق، أكبر مؤسسي الفقه الشيعي والذي نسب مذهب الشيعة الإمامية إليه فسمي بالمذهب الجعفري، وقد حظي الإمام الصادق في تلك الفترة بمكانة مميّزة من العلم عند أئمة مذهب أهل السنة والجماعة، فقد روى عنه مالك بن أنس، وعدّه أبو حنيفة أعلم أهل زمانه. ونعود إلى عنوان هذا المقال لنؤكد أن التقدم العلمي والرقي الحضاري لا يمكن أن يتحققا بشكل فاعل في أي مجتمع أو أي دولة مهما كبرت وعلا شأنها وارتفعت مكانتها، ومهما توسع نفوذها السياسي وثراؤها المادي ونظامها العسكري، إلا عندما تكون مبادئ الحرية الفكرية معززة ومصانة فيها، والتي من دونها يصعب على العقول التحرر والانطلاق، ويصعب ترسيخ الأسس العلمية اللازمة لتمكين الدول والمجتمعات من اكتساب المعارف وتعظيمها التي تؤدي بدورها إلى الانتاج والإبداع وهما سر ومنطلق التقدم والرقي.

وزير العمل البحريني السابق
آخر الأخبار