السبت 18 أبريل 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

الدبّ الصيني في مياه العرب

Time
الخميس 01 أبريل 2021
السياسة
د. ميشال الشمّاعي

كلّ يوم يمرّ تقترب الصين أكثر فأكثر من المياه العربيّة، لكن هذه المرّة ليس من البوّابة العربيّة نقسها، بل من البوّابة الايرانيّة حيث باتت معاهدة اتّفاقيّة الشراكة الستراتيجية بين الصين وإيران قاب قوسين من الترجمة، ويبقى ألا أحد يعرف تفاصيل هذه المعاهدة لحرص طرفيها على سرّيّتها لتمكين الجانب الصيني من ولوج النّاحية العسكريّة في قلب العالم العربي.المحاولات الصينية لاخترق البلدان العربيّة تنمويًّا بقيت خجولة، فمثلا أخذت الصين مشروع إنشاء المعهد العالي للموسيقى ودار الاوبرا في منطقة " النقّاش" في لبنان، في حين أنّها لم تستطع إلى حينه المنافسة في المناقصات النّفطيّة.
وعلى ما يبدو أنّ الدّول العربيّة حسمت ثباتها في محور الغرب الليبرالي، من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، بينما إيران والدّول المتواجدة فيها أذرع حرسها الثوري، أي سورية، ولبنان، والعراق، واليمن، ستكون في محور الصين- إيران لتشكّل عماد خطّة الصين للسيطرة الاقتصاديّة بعنوان: " الحزام والطريق."
هذا الأمر سيحوّل هذه الدّول إلى منصّة صينيّة للانطلاق نحو عمليّة غزو حضاريّ قد يمتدّ إلى أوروبا وأفريقيا، ومن يعلم قد يصل شواطئ الأميركتين؟ حتّى إسرائيل الحليف الستراتيجي للولايات المتحدة الأميركيّة في المنطقة فتحت أبواب استثمار موانئها النفطيّة للصين، وذلك في عمليّة ابتزاز واضحة لأميركا لاستمرار الدّعم المادّي لإسرائيل؛ لاسيّما بعد ارتفاع أصوات في الأوساط السياسيّة الأميركيّة تدعو إلى خفض المساعدات لإسرائيل.
وستشكّل هذه الخطوة استفزازًا واضحًا للسياسة الأميركيّة في المنطقة، فعلى ما يبدو انّ الصين قد سبقت الولايات المتّحدة إلى التّوقيع، وقد تنجح الصين في تحرير إيران من العقوبات الأميركيّة التي ستبدو كأضحوكة مع تصريح الصين بأخذها للنفط الايراني بأسعار رخيصة جدًّا، لتسدّ حاجة أسواق الطاقة عندها، مقابل أن تدرّ الأموال بالعملة الصينيّة على الجمهوريّة الاسلاميّة المحاصرة اقتصاديًّا.
العالم العربي بعد هذه الاتّفاقيّة لن يكون كما كان قبلها، يبدو أنّنا سنستعيد تجربة السوفيات وأوروبا الشرقيّة في قلب العالم العربي، وستشكّل دول المحور الايراني ما كانت تشكّله دول أوروبا الشرقيّة في الزمن الشيوعي، ومن يدري إذا ما كانت الصين تطمح أيضًا بتصدير ثورتها الحضاريّة - الفكريّة إلى الدّول التي كانت مستضعفة حضاريًّا وفكريًّا، تحت نير أنظمة حكم الحزب الواحد التي تشبه بتجربتها التجربة الصينيّة الشيوعيّة؟
إذّ ذاك ستصبح هذه الأهداف الاقتصاديّة، والصناعيّة، والتجاريّة، واجهة لمدّ حضاريّ – فكريّ قادم إلى المنطقة من بوّابة حاجة هذه الشعوب إلى المنتَج الصيني الذي سيكون حتمًا متوفّرًا بأسعار أرخص، وبجودة قد تفوق الجودة الأوروبيّة غالية الثمن، وهكذا سيصبح الدبّ الصيني في مياه العرب، وقد يصل إلى الحوض الشرقي للمتوسّط، المنطقة الواعدة بثرواتها النفطيّة.
وما يثير وسط هذه المشهديّة السورياليّة هو الصمت الأميركي المريب الذي لم نشهد مثيله، إلا في الفترة التي سبقت غارة بيرل هاربر في الحرب الكونيّة الثانية التي دفعت الولايات المتحدة إلى الدّخول في أتّون الحرب، لتقلب المعادلات كلّها، وتستولي نتيجتها على دفّة قيادة العالم الحرّ.
وعلى ما يبدو أنّ هذا الصمت لن يطول، والمفاوضات الأميركيّة – الايرانيّة قد تهتزّ نتيجة هذه الاستدارة الايرانيّة صوب الصين لما تحمله من تحدٍّ سافر لسياسة الولايات المتّحدة في المنطقة، وإن دلّ ذلك على شيء فهو سينبئ حكمًا بتبدّل المسار التفاوضي الذي يقوده الرئيس بايدن.
وإن استمرّ هذا السبات الأميركي ستتطوّر المواجهات مع الدبّ الصيني الذي بات يقرع أبواب القواعد الأميركيّة في الخليج، ولن تكون عندها هذه الترسانات من الأسلحة النوويّة لخلق توازن رعب فقط.
من يدري إذ قد تتكرّر تجارب الماضي للجم هذا التمدّد الصيني الذي بات يشكّل الخطر شبه الوحيد، بعد لجم الدّبّ الروسي بعمليّة تقاسم نفوذ المتوسّط والشرق الأوسط، فهل سنشهد مواجهة الدبّين الروسي والصيني على خلفيّة اختلاف أولويّة المصالح في المنطقة؟ أم سيشكّلان معًا محورًا جديدًا لمواجهة اللّيث الأميركي الذي قد يبدو ضعيفًا أمامهما، ممّا قد يدفعه حتمًا إلى التكشير عن نيوبه النووية من جديد بعد ستٍّ وسبعين سنة على هيروشيما وناغازاكي؟

أستاذ جامعي لبناني
[email protected]
آخر الأخبار