عرفان أمينظهرت الأديان بتسلسلها التاريخي عبر السنين لتنظيم الحياة وتعزيز مكانة الإنسان الروحانية والأخلاقية ووضع أسس التعاون بين الناس لبناء السلام ووحدة العالم الإنساني وتأمين رفاهية البشر واستمرارية رخائه. وساهمت قوانينها ومبادئها بترسيخ الأُسس الأخلاقية ودعم التصرفات الإنسانية السليمة، بل قننت العبادات وفتحت قنوات التواصل مع الخالق بالدعاء والمناجاة تأكيدًا على روحانية الإنسان وأهمية تواصله بالعوالم الربانية، كما أكدت على أهمية التعايش بين أطياف المجتمع لصعوبة العيش بمعزل عن الآخرين وهَيَّأَته ليكون عضواً فاعلاً يعمل وأخوته بالإنسانية لبناء المجتمع، وبِقراءة سريعة نرى أن التعاليم البوذية مثلاً تشتهر بالدْعوة للتخلص من الأنا مصدر التكبر والغرور، وكلمة أريد كمصدر للشهوة الباطلة، وتُشجع الطرق الثماني لتطوير الذات: كصحة النية، والنظرة والاعمال الطيبة وغيرها، أما اليهودية فجاءت بالوصايا العشر وحثها على إكْرِامْ الوالدين، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَزْنِ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ زُور وغيرها، اشتهرت المسيحية بموعظة السيد المسيح "من لطمك على خدّك الايمن، فأدِر له الآخر"، بينما ورد بالقرآن "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" وجاء بالبهائية "لَوْ تَكُونُ نَاظِرَاً إِلَى الْفَضْلِ ضَعْ مَا يَنْفَعُكَ وَخُذْ مَا يِنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ وَإِنْ تَكُنْ نَاظِرَاً إِلَى الْعَدْلِ اخْتَرْ لِدُونِكَ مَا تَخْتَارُهُ لِنَفْسِكَ" فجميع الأديان تدعو الى الإنسانية والأخلاق الحميدة والمحبة والوئام، والابتعاد عما يُخالف ذلك لأنه يُناقض روحانيتها وسماحة مبادئها الربانية. وبمرور الزمن وتعاقب الأنبياء والمرسلين وتطور الحياة وتقدمها ظهرت المذاهب والفِرق بتنوع تفسيراتهم للنصوص الدينية التي امتزجت بأمور كالثقافات المحلية السائدة بكُل بيئة وتشبعت بها. انقلبت الموازين وتغيرت مفاهيم بعض تلك التعاليم والمبادئ، حالة خلقت بعض الأيديولوجيات المتعصبة وما رافقتها من خلافات مذهبية أدت لتأجيج الصراعات الدموية وقيام بعض قادة تلك الأيديولوجيات والمُتطرفين من أتباعهم بارتكاب الفظاعات لإرغام الناس على إتباع افكارهم ونشرها باسم الرب والدين. فالتاريخ يُذكرنا بالأَهْوَال التي ارتُكبت باسم الكنيسة في العصور المُظلمة بأوروبا، والحروب الصليبية ونرى اليوم استمرار التفجيرات والصراعات الدينية المنتشرة هنا وهناك، صراعات خلفت الخراب والدمار، ونتساءل؛ هل حَوَّرَت المصالح الخاصة للبعض سماحة التعاليم الدينية ومبادئها المعنوية السامية الى النقيض فنشرت العنف والقتل بدلا من الحب والود؟ مبادئ جاءت لعلاج مشاكل البشر فحولها المُتعصبون لتجارة مصالحهم ووسيلة قتل تُهدد سلامة العالم وساكنيه؟ إنها دعوة للتفكير، دعوة للاستفادة من العقل وعدم إهمال هذه الهبة الربانية، فالحل يكمن بالقراءة المُتأنية وتحري الحقيقة والتفكير في جميع أمور الحياة حتى لا ننخدع بالكلمات السحرية التي تُخاطب المشاعر، فالبعض يُغطي مفاهيمه الخاصة بِغلاف ديني ومذهبي ويطرحها بطريقة تبدو وكأنها نصوص ربانية صارمة لا يجوز التفكير فيها والتمعن بمعانيها أو حتى مناقشة محتواها الغريب أحيانًا، مفاهيم تُخالف المنطق والفكر والواقع المُعاش، كما يقوم البعض بطرح تفسيرات مزعومة للمبادئ الدينية تُستخدم للسيطرة على العقول عبر دس السُم في العسل، ظاهرة حذر منها فولتير بحكمته "من يجعلك تعتقد بصحة ما هو مخالف للعقل، قادر على أن يجعلك ترتكب الفظائع".كاتب من الأوروغواي