السمكة…التي عضت سارقها

أحمد الجارالله

من الطبيعي أن تبحث المجتمعات عن شخص صالح، نظيف الكف كي يتولى شؤونها، ويمنع عنها الفساد والفاسدين، فيما الواقع غير ذلك، لأن العوامل الاجتماعية والعلاقات الشخصية، في الدول النامية، كالكويت، تؤدي دورها بالانحراف عن المنطق، بل ثمة أحيان يصور الفاسد على أنه الخير كله.
صحيح أن المحاسبة في تلك الدول تكون ضعيفة، أو انتقائية، أو انتقامية، لهذا تفشل، فيصبح الإصلاح شعار لزوم ما لا يلزم، حين تتيسر رقابة صارمة ومحايدة تسير الدول على الطريق الصحيح.
وفي هذا الشأن، ثمة الكثير من الأمثلة الدالة على ما يمكن أن تصبح عليه الدولة حين يستشري الفساد فيها، كما أن هناك قصصا رمزية عما يصيب السارق والمختلس، وهي في جوهرها تمثل الدولة، لأن القاعدة الأساس هي أن الله يمهل ولا يهمل، وكذلك طبيعة الأمور ألا يفر اللص، مهما كان جبروته من العقاب، حتى لو تأخرت المحاسبة.
ومن تلك القصص، ما رواه الإمام الذهبي في كتاب “الكبائر” عن رجل كان يسير في الطرقات مبتورة يده من أعلى الكتف، ويردد: من رآني فلا يظلمنا أحد، فتقدم منه رجل وسأله: ما قصتك، فأجاب: كنت جباراً ظالماً، وفي يوم ما، وأنا على شاطئ البحر، وإذ بصياد قد اصطاد سمكة، فأعجبتني من كبرها، فقلت له أعطني إياها، فقال الصياد الفقير: إنني أبيعها، فهي قوت عيالي، ولا أملك غيرها، فأخذتها منه بالقوة ودفعته وركلته، وأنا في طريقي وإذ بالسمكة تعض إبهامي، فشعرت بألم لا يعلمه إلا الله.
شكوت أمري إلى الأطباء، فقالوا هذه بداية “الأكلة”، وإن لم يبتر الإبهام فسيسري المرض إلى كفك وستُبتر أيضاً، وما هي إلا أيام حتى راودني الألم في كفي، فذهبت إلى الطبيب، فقال لا بد من بتره، وما هي إلا أيام حتى سرى إلى الساعد فبُتر، ثم سرى الألم إلى أعلى الكتف، فبترت اليد كلها.
وكان إن رآني أحدهم: فسألني ما قصتك حتى بُترت يدك إلى الكتف؟ قلت: لقد أخذت سمكة من الفقير عنوة، وما كان منها إلا أن عضت إبهامي، ومن عواقب الألم بترت يدي كلها، فقال الرجل: ابحث عن الصياد، واطلب منه السماح، فو الله لو أنك تحللت منه قبل ذلك لم يقطع منك أي شيء.
وبدأت أهيم على وجهي أبحث عن الصياد حتى رأيته، فانكببت بين قدميه أبكي، وأقول: أسألك بالله يا سيدي ألا عفوت عني، وحللتني، فسألني: من أنت؟ قلت: أنا صاحب السمكة الذي أخذتها عنوة، منك منذ وقت بعيد.
فبكى الصياد لما رأى حالي، وقال: والله قد حللتك لما رأيت من بلاء حلّ بك، فسألته: ماذا قلت عندما أخذت منك السمكة، فقال قلت: اللهم يا رب إنك أريتني قوة هذا في ضعفي، فأرني قوتك فيه.
هذه القصة الرمزية تدل على مدى العواقب على الظلم، وهي لا تمثل فقط جبروت ذلك الرجل، إنما أيضا على مدى انتقام الناس إذا تعرضوا للظلم، خصوصاً في قوتهم، وقوت عيالهم، وأيضا على ما تجنيه الأنظمة الفاسدة على نفسها، لأنها تتيح لمن رأوا في أنفسهم القوة والبطش أن يمارسوا ذلك على الشعوب، ولهذا حين تحين المحاسبة يكون العقاب شديداً.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى