حسن علي كرمفي ثلاثينيات القرن الماضي، كانت الكويت قد بدأت بها تواً بشائر تأسيس التعليم النظامي، اذ بعد المدرسة المباركية التي تأسست عام 1911 بتبرعات من تجار وشيوخ، تلتها المدرسة الاحمدية (بنين)، و المدرسة القبلية (بنات). في تلك الاثناء هبط على الكويت على حين غرة، شخص يقال له العقيلي، اذا لم تخونني الذاكرة، من احدى قرى نجد، وهو رجل وصف بشديد التغول والتعصب، ومتمسك بالماضي دون اعطاء فرصة لنفسه او المحيطين به للتأمل بما يجري في العالم.هذا العقيلي لم يأت للتنزه او زيارة اهل او اقرباء، انما ليخوض معركة، رآها في قرارة نفسه مقدسة وجهادا في سبيل اعلاء راية الاسلام ومرضاة الله، فدخل معركة شديدة المراس مع مسؤولين، وقتذاك، عن التعليم داعياً الى الغاء التعليم النظامي عن الذكور ومنع تعليم البنات، والاكتفاء بالكتاتيب وحفظ القران، لكن مساعيه فشلت، فعاد خائباً من حيث اتى، ولم تتأثر الكويت به وبهرطقاته، اذ لم تكن منغلقة على ذاتها.استمر الانفتاح والتعليم النظامي، وتوسعت المدارس حتى وصلت الى كل مناطق البلاد، السؤال هنا: لو نجح العقيلي وسمع أولي الشأن عن التعليم خزعبلاته الظلامية، هل كان قد عم فيها التعليم وذهب بنيها وبناتها لتلقي علومهم العالية في الخارج، حينذاك، في بغداد وبيروت والقاهرة ولندن واميركا، وان يصل عدد الجامعيين والجامعيات وحملة الشهادات العليا حالياً من جميع التخصصات العلمية والنظرية الى ما وصل اليه، فيما باتت الكويت تفيض بعدد خريجيها،وبات بعضهم خبراء في تخصصاتهم، ومطلوبين للاستعانة بهم في الخارج؟ العقيلي لم يمت، اذ بين فترة واخرى تخرج علينا رؤوس كالزرع الشيطاني على شاكلة العقيلي، يزعمون انهم مكلفون من الله لبث الاصلاح والفضيلة في مجتمع فشى فيه الفساد و الرذيلة، ناكرين على انفسهم انهم بشر يخطئون ويصيبون، وان اخطاءهم قد تجاوزت حسناتهم، ولعل الفساد جزء من سلوكهم، ولذا جدير بهم ان يصلحوا انفسهم قبل ان يفرضوا وصايتهم على الاخرين!حالياهناك ما سميت" وثيقة القيم" التي يسعى مجهولون، احفاد العقيلي، لتعميمها وفرضها على مجتمع شب عن الطوق والوصاية، وهؤلاء يعلمون ان وثيقتهم مجرد ورقة ينتهي مفعولها بانتهاء الانتخابات، او انها محاولة يائسة، لكنها لن تمر ومثل ما فشلوا في لجنة محمد هايف التي سميت "الظواهر السلبية" في السنين الماضية، سيفشلون ايضاً، لكنهم يبحثون لهم عن ادوار في معمعة الانتخابات لينفثوا سمومهم وخزعبلاتهم.اما المرشحون الذين تهافتوا لتوقيعها، فذلك ليس لايمان بعضهم، او غالبيتهم، بحجية الوثيقة، انما تلهفاً لاصوات في ظرف هم اشد حاجة اليها، وازعم ان ثلاثة ارباع الموقعين لن يلتزموا، بل ليس هناك متسع للالتزام بها وان قول كبيرهم ومحرضهم "من يعارض الوثيقة يترك البلد"، فهي نكتة سمجة، فيما هو بعينه يقف على ارض رمالها متحركة! ان التطرف امة واحدة وان اختلفت البسة المتطرفين واوطانهم، ولغاتهم وفصائلهم، وتنظيماتهم واحزابهم، ففي الاخير هم يدينون بالعنف واسالة الدماء، ومن ليس منهم فهو عدوهم.من هنا اعتقد ان المسألة تتجاوز الوثيقة الى تهديد امن البلاد واثارة القلاقل والفتن وتقسيم المجتمع، وبث الخوف وتهديد الاقتصاد، ما يجعل الامر يتجاوز السلم الاجتماعي، ما يتطلب من السلطات الامنية الحزم وعدم التراخي. الكويت العقدة القاتلة التي تقلقهم، لذا دعونا من مسألة "سلف" و"اخوان" و"تبليغ" و"داعش" و"طالبان"، ومشايخ و عمائم، فهؤلاء يرون الفساد فضيلة، وفضيلة غيرهم فساداً، انهم لا يرومون الى فرض الدين او العودة الى الجذور الساحقة، فالكويت دولة محافظة واهلها وسطيون، وكل ذلك لا يعنيهم لان الهدف ليس استقامة البشر، انما الاستحواذ والتهافت على الكرسي.على الدولة وكل المخلصين لهذا البلد والخائفين عليه، فضح نواياهم، فوجودهم مرض سرطاني اذا لم تسارع الى معالجته وبتر الاجزاء التالفة، فقد ينتشر في كل الجسم،لان عقيدة المتطرفين والغلاة دخيلة على الكويتيين، والعقيلي لم يمت ولا يزال يعيش بيننا!صحافي كويتي
[email protected]