الأربعاء 22 يوليو 2026
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
منوعات

القرني: الجداريات تعكس واقع الشعوب و"سوق الجمعة" أدخلتني "غينيس"

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 10 يوليو 2021
السياسة
الجداريات فن مصري قديم يُجسّد قيم المجتمع ويحافظ على الهوية

رسمت لوحة ترحيب بكارتر وجدارية يناير الأكبر عالمياً

أتمنى محو الأمية التشكيلية لأن الفن يثري الروح والوجدان


القاهرة - رانيا مصباح:

الفن التشكيلي بالنسبة له ليس مجرد عمل أو مهنة، بل هو الروح والحياة، تنبأ له الفنان والشاعر صلاح جاهين بأنه سيكون فنان الشعب وبالفعل أصبح كذلك، وصاحب الجداريات العالمية، التي أبدعها عندما اتحدت روحه مع فرشاته.
حول أعماله ومشواره الفني مع الفرشاة والتشكيل، أكد الفنان المصري طه القرني أن الجداريات تعكس مخزون العادات والتقاليد للشعب كما أنها تعبر أصدق تعبيرعن واقع الإنسان ووجدانه، لافتا إلى أنه جداريته "سوق الجمعة" أدخلته موسوعة غينيس للارقام القياسية كأكبر عمل نوعي، وفيما يلي التفاصيل:

كيف كانت بدايتك مع الفن التشكيلي؟
نشأتي مع أبي بحكم عمله كشيخ أزهري ومبتهل بالإذاعة، ساهمت في أن يصبح لدي ثقافة متنوعة منذ الطفولة، شكلت وجداني الداخلي المحب للفن، كان والدي يصطحبني معه دائما، فأتاح لي ذلك متعة الاستماع إلى الابتهالات وقراءة القرآن، رأيت كبار القراء في هذه الفترة، "الشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ الحصري"، وتربيت على أصواتهم.
إلى أي مدى كان تأثير الوالد على تكوين شخصيتك؟
كان والدي - رحمه الله - متنوع الثقافات والمعارف، لم يقتصر فقط على القراء والشيوخ، بل كان يحل ضيفا على كثير من الفنانين قبل صلاة الفجر في قهوة الفيشاوي، منهم " سيد مكاوي وصلاح جاهين"، كنت استمع إلى فنهم رغم عدم ادراكي لعظمتهم وقيمتهم الفنية، لصغر سني وقتها، بدأت موهبتي تظهر في ذلك الوقت، كنت أعشق الألوان واختلافها وتميزها، كان المدرسون في المدرسة يشجعوني كثيرا، كما شجعني والدي كثيرا، كنت أرسم أي شيء أمامي،حتى أنني رسمت كل من كان يجلس مع أبي على قهوة الفيشاوي.
ماذا عن الشخصيات الأخرى التى كان لها الأثر الأكبر في رحلتك الفنية بعيدا عن والدك؟
"عمنا" صلاح جاهين من أكثر الشخصيات التي أثرت فيّ، كانت لها جمل مؤثرة في حياتي لم أنسها حتى الآن، كنت أذهب إليه برسوماتي البسيطة التي كنت استخدم فيها القلم الرصاص وأعرضها عليه، حينها قال لأبي جملة لن أنساها طوال عمري أبدا، قال له "ابنك طه يا شيخ محمد ولد موهوب أوعي تخليه شيخ زيك".

عائلة شحات
هل كانت مجرد نصيحة أم كان حريصا على متابعتك؟
نعم كان يتابعني، ففي السنة الثانية من المرحلة الإعدادية، رسمت عائلة "متسول" مع أبنائه وزوجته وابنه الممسك بيده ليقوده في الطريق، لأنه كان ضريرا، شاهد صلاح جاهين اللوحة وذهب بها إلى أبناء هذا المتسول والذين فرحوا بها جدا وانبهر بها كل من كان على المقهي، فقال لي جملة أخرى كان لها أثر كبير في نفسي وظلت في ذهني طوال رحلتي مع الفن التشكيلي، قال لي "يا ابني الفن اللي بيطلع من الناس ويرجعلهم بيكون ابن أصيل لبلده وعمره ما بيموت" وممكن تكون فنان للشعب ده وانت هتكون فنان مهم".
كيف حافظت على هذه الموهبة؟
ظل بداخلي حافز كبير يشجعني حتى أصل بالفنان الصغير وهوايته ورسوماته البسيطة إلى الطريق الصحيح وطريق النجاح، عندما كبرت وكبرت الموهبة معي اتجهت إلى الدراسة في كلية الفنون الجميلة قسم الديكور بجامعة الإسكندرية، كنت الأول على دفعتي، حصلت على دبلوم الدراسات العليا بتقدير عام جيد جدا، أصبحت عضوا بنقابة التشكيليين، كما حصلت على شهادة استشاري في الفنون والديكور سنة 2007، عملت عضوا بهيئة التدريس من عام 1995 حتى عام 1997 في كلية التربية النوعية بالعباسية، كما عملت بالصحافة لمدة كبيرة، وقدمت برنامجا تليفزيونيا على قناة النيل الثقافية باسم "الاتيليه مع طه القرني"، كما أصبحت عضوا باتحاد الفنانين العرب، فناني اتحاد التشكيليين بالإسكندرية، جمعية أصالة الغوري، وعضو باتيليه القاهرة.
ما المواقف التي ما زالت عالقة بذهنك وذات تأثير في مسيرتك الفنية؟
الذاكرة مليئة بالأحداث فأتذكر مثلا عندما كنت في الصف السادس الابتدائي طلبت مني مديرة المدرسة رسم لوحة للترحيب بزيارة الرئيس الاميركي جيمي كارتر وكان يزور مصر وقتها بمناسبة توقيع اتفاقية كامب ديفيد، فرسمت وقتها أول لوحة كبيرة وكانت تضم أنور السادات وجيمي كارتر ومناحم بيجين، ولقيت اللوحة استحسان الجميع، بل استعارتها منا بعض المدارس.

الجداريات والمجتمع
ماذا تعني الجداريات بالنسبة لك؟
الجداريات تعتبر ابن المجتمع، وتعبير أصيل عن مكونات وإنسانيات هذا المجتمع، ورؤى فنية لجذور الهوية المصرية، في مشاهد شعبية تعكس مخزون العادات والتقاليد، إذا عدنا إلى أصل الجداريات نجد أن أساسها مصرية قديمة، موجودة على جدران المعابد في مصر القديمة، ويمكن مشاهدتها في البيوت النوبية، جاءت الجدارية منذ القدم لتعبرعن واقع الإنسان ووجدانه، تطورت مع التطور الذي طرأ على مراحل حياته المختلفة.
هل تعد محاكاة لواقع الإنسان؟
نعم، إنها عمل ملحمي إنساني، يجب أن يحدد الفنان الموضوعات التي سيطرحها في الجدارية، الأبطال، الشخوص، والأفكار كما لو كانت رواية، لكن هذا الفن اختفى مع الوقت، سعيت جاهدا أن أعود به إلى النور من خلال أول جدارية لي "جدارية سوق الجمعة"، التي غيرت منظور الجمهور لهذا الفن واستقطبت جمهورا جديدا وفئات عمرية محتلفة، قدمت هذه المدرسة الفنية القديمة من وجهة نظر جديدة.

سوق الجمعة
كيف قدمت الناس والحياة بكل هذه التفاصيل الدقيقة في جدارية "سوق الجمعة"؟
بدأت علاقتي بسوق الجمعة منذ كنت طفلا، فأنا من مواليد حي إمبابة، كنت أقطن بجوار سوق الجمعة قبل نقله، أول شيء تربيت عليه، وتعلمت منه، كان ملتقى لكل فئات المجتمع، يمثل ويعكس صورة مصر الأصيلة المحرومة، وقد رسخ في ذاكرتي صورة السوق وتفاصيله، كما عايشت سوق الجمال ومقام سيدي إسماعيل والمدبح القديم، كلها أماكن ثرية بالشخصيات المتنوعة المصرية، تؤثر في أي إنسان توجد لديه حالة إنسانية وفنية مختلفة، كل هذا المخزون ظل بداخلي منذ مرحلة الطفولة حتى كبرت ودرست وتخرجت ورسمت الكثير من اللوحات ونظمت كثيرا من المعارض، لكن بقي حلم رسم السوق يراودني وحلم الجدارية يكبر بداخلي فبدأت التخطيط لرسم الجدارية.
كيف كانت مراحل تنفيذها؟
أي عمل فني جيد ومؤثر وناجح،يجب أن يبني على قراءة وتحليل ومعايشة للواقع، يأتي بعد ذلك الانتقاء والاختيار للشخوص والدراما التي ستعكسها من خلال الملحمة الدرامية المقدمة على الجدارية، تعاملت وقررت أن أقدم الرجل المصري البسيط، بدأت العمل برسم اسكتشات عدة وصلت إلى أكثر من 20 اسكتشا، في كل مرة أشعر أن هناك المزيد والأفضل، كنت أريد أن أقوم بتصوير دراما الحياة في السوق وليس رسما عاديا.
هل تعاملت مع هذه الشخوص في الواقع؟
نعم، عايشت السوق وتفاعلت مع البائعين، كنت أذهب كل أسبوع إلى السوق لمدة ثلاث سنوات متواصلة، يبدأ يومي هناك من بعد صلاة الفجر حتى أتابع بداية السوق وكيف يأتي البائعون، كيف يفرشون بضاعتهم، كنت أتابع أدق التفاصيل، كونت معهم صداقات كثيرة،كنت أعرفهم بالاسم، فالمعايشة كانت جزءا أساسيا ومهما لخروج العمل بهذا الشكل وهذه المصداقية.

موسوعة "غينيس"
ما الذي أعجبك في هذا المجتمع؟
مجتمع السوق مجتمع تفاعلي، أحداثه وتفاصيله كثيرة، لذا حرصت على تسجيل حياة السوق بالفيديو حتى استحضر الصورة أمامي وأنا أرسم بالمرسم، بل كنت استمع إلى قارئ القرآن نفسه الذي كانوا يستمعون إليه في السوق، كذلك أغانيهم طوال اليوم، كان الانبهار بكم التفاصيل التي ظهرت في الجدارية من بائع الخبز والناس والازدحام من حوله.
لماذا دخلت الجدارية موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية؟
لم تدخل الجدارية موسوعة غينيس للارقام القياسية كأكبر عمل أو جدارية من حيث الحجم، رغم أنها تصل إلى 23 مترا عرضا وارتفاعها إلى 140 سنتيمتراً، لكنها دخلت الموسوعة كأكبر عمل نوعي، لأن النوعي يمثل ابتكارا وجهدا أكبر ورؤية مختلفة مرتبطة بأحداث كثيرة، كانت عملا ينقل إحساس الشعب نحو1200 شخصية.
ما قصة دخولها الموسوعة؟
كان للصحافة والإعلام دور مهم في هذا الأمر، بعدما تحدثت الصحف كثيرا عنها، جاء مندوبون من الموسوعة وأخذوا مقاسات الجدارية في دار الأوبرا كأكبر عمل نوعي، فقد كانت هناك جداريات كثيرة أكبر من جداريتي تحدثت عن الأسواق في كثير من دول العالم، لكن يظل الاختلاف هو كم التنوع والدراما المصرية والتفاصيل المقدمة من خلال الجدارية، وتعرضت للسجن بسبب هذه الجدارية لأنني رسمت الفقراء.

فنان الشعب
من منحك لقب فنان الشعب؟
الشاعر صلاح جاهين وأعتقد أن اللقب جاء لتفاعلي مع الشعب، كنت أرسم الشعب والإنسان المصري البسيط وليس المشاهير، ففي "جدارية يناير" قدمت وجوه المصريين والشعب الأصيل الذي ضحى بحياته وروحه والشباب والأم والرجل البسيط ولم أرسم شخصية واحدة مشهورة كانت في الميدان.
هل نافست الجداريات الأخرى أيضا؟
بالفعل، لأنها تعد أكبر جدارية في العالم من حيث الحجم والتنوع أيضا، وتعتبر من أهم أعمالي، كان طول الجدارية 40 مترًا، كل حدث فيها 2.5 م × 1.5 م ارتفاع، استغرقت نحو عام ونصف لتنفيذها.
كيف تستلهم موضوعات أعمالك؟
أعمالي دائما تمثل انعكاسا للروح المصرية والحياة في الشارع المصري، رجل الشارع البسيط، فأنا ابن مصر ببساطتها، أسواقها، وموالدها الشعبية.
كيف يصل المبدع المصرى والعربي إلى العالمية؟
مشكلة التسويق والترويج للمنتج الفني تواجه أي مبدع في العالم العربي، فحتى المعارض التي تقام لا أحد يسمع عنها إلا يوم الافتتاح فقط، المتابعة الإعلامية وتسليط الضوء على المعارض والفنانين لها دور كبير في معرفة العالم بنا ووصولنا إلى العالمية، في مصر لدينا حضارة فنية كبيرة وطويلة، لكن ليس لدينا رؤية وأدوات للترويج والانتشار.
ماذا عن أحلامك للفن التشكيلى في الوطن العربي؟
مشروع كبير لمحو الأمية وزيادة الثقافة الفنية التشكيلية، أتمنى من كل عشاق الفن التشكيلي أن يثروا وجدانهم بزيارة المتاحف والمعارض، والقراءة عن الفن التشكيلي واللوحات المختلفة، أن تزيد مساحة اهتمامهم بهذا الفن، أتمنى تقديم برامج واهتمام إعلامي بالفن التشكيلي، فالنفس البشرية تحب الفن وتعشقه بالفطرة، الفن يثري الروح والوجدان ويبعث بالطاقة داخل الإنسان.
ما هواياتك بعيدا عن الرسم؟
أحب واعشق القراءة في كل المجالات، الاستماع إلى القرآن الكريم، الاستماع للموسيقي، وممارسة الرياضة.

سوق الجمعة


تجسيد لموقعة الجمل

آخر الأخبار