الأربعاء 11 مارس 2026
22°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
"المقاطعة "… مصائب قوم عند قوم فوائد!
play icon
الأولى

"المقاطعة "… مصائب قوم عند قوم فوائد!

Time
الخميس 26 أكتوبر 2023
hani

حين يدفعنا الشعور بالتقصير تجاه الأشقاء إلى تسجيل "انتصارات زائفة"

فجأة.. وجد السيد "م" نفسه في موقف لا يحسد عليه، بعدما ألح عليه اطفاله في طلب الطعام من أحد المطاعم الأميركية الشهيرة التي تقدم الوجبات السريعة، عبثا حاول أن يقنعهم بأن هناك مقاطعة للشركات التي تدعم اسرائيل في عدوانها على اهالي غزة، طرح الاطفال اسئلة من قبيل: ماذا تعني مقاطعة؟ وهل من الضروري أن يشاركوا فيها؟ وهل ستوقف مقاطعتنا العدوان على غزة؟ وامام الحاحهم واصرارهم وجد نفسه مضطرا للتوجه الى المطعم.
في الممر المُفضي إلى شباك طلب الوجبات وجد نفسه غارقا في خجله وشعوره بالخزي والعار، وكأنه سلم مفاتيح غرناطة او كان السبب في نكسة 1967، فيما كانت تلاحقه نظرات المارة بالازدراء والاحتقار وعيونهم طلقات رصاص تخترق جسده وتتهمه بخيانة القضية الفلسطينية والغدر بالمقاومة. فكر ان ينسحب حفاظا على ماء وجهه الذي اريق على الملأ لكن ارقه ان يحتج اطفاله أو يضربوا عن تناول الطعام البديل.
في الممر ذاته، وقعت عينه على صالة الطعام داخل المطعم فإذا بها خاوية على عروشها، فالطاولات والمقاعد مقلوبة، والقاعة فارغة تماما وخالية من البشر وهي التي كانت تعج بهم حتى الامس القريب.
وعندما وصل الى نافذة استلام الطلب، طالعه عامل المطعم بابتسامة عريضة، قائلا :"أنت أول شخص يمرنا اليوم"، بادله الابتسام رغم ضجره وهو يقول في نفسه "لولا اولاد الـ… ما جئتكم"!
في الطريق الى بيته، وبينما تعاظم شعوره بالذنب والتقصير والتخلي عن نصرة اخوانه في فلسطين، كان السؤال هو " هل نحن قادرون حقا على مقاطعة كل منتجات الشركات الاميركية والغربية"وهل يمكن ان تستمر هذه المقاطعة لوقت طويل بحيث تحدث فارقا تجبر معه حكومات الدول الغربية على تغيير سياساتها تجاه العرب والفلسطينيين وقضاياهم العادلة؟! أم أن الامر لا يعدو ان يكون "فزعة" او "هوجة" ستأخذ وقتها ثم سرعان ما سننسى ونعود لنملأ بطوننا وبيوتنا من المنتجات الاميركية والغربية؟!
منذ السابع من اكتوبر ومع الاعلان عن عملية "طوفان الاقصى" التي نفذتها حركة حماس في الداخل الاسرائيلي، وتاليا اعلان حكومة الكيان الحرب على غزة واشتعال الحرب، اشتعلت معها وفي موازاتها حرب اخرى على منصات وسائل التواصل، عنوانها مقاطعة الشركات والمؤسسات التي تدعم اسرائيل وجيشها.
وعلى الرغم من ان المنتجات الاميركية والغربية تكاد تغرقنا في حياتنا اليومية، من ماكينة صناعة القهوة الصباحية، إلى السيارة الفارهة في المرآب إلى هاتف "الايفون" الذي لايفارقنا كظلنا، الى جهاز الكمبيوتر في الدوام، وعلى الرغم من ذلك تركزت حملة المقاطعة على المطاعم والكافيهات الأميركية، ربما لأنها كانت "الحلقة الأضعف"؛ وحيث يستطيع اي منا ان يمتنع لأسبوع او اكثر عن تناول وجبته في مطعم (..) أو احتساء قهوته الصباحية في (..) ليشعر بعدها بالرضا عن النفس والتضامن مع الاشقاء وخلق شعور زائف لديه بأنه "حرر القدس".
عبثا حاول بعض رجال الدين الدخول على خط المقاطعة بعد تضرر مصالح تجار كبار ومعروفين بولائهم وانتمائهم، كل ذنبهم انهم وكلاء العلامات التجارية الشهيرة، فخرجوا بفتوى تقرن المقاطعة بولي الامر وتشترط موافقته عليها.
في المقابل، استفاد آخرون من التجار الذين يقدمون منتجات وطنية أو حتى اصحاب الوكالات الاسيوية، فقد شهدت بضاعتهم رواجا كبيرا وزادت مبيعاتهم بعد توجه قطاع كبير من المستهلكين عن المنتجات الاميركية اليهم، فكانت المقاطعة بالنسبة لهم "خيرا وبركة"، وحققت لهم مكاسب لم يكونوا يحلمون بها، لذا وقفوا وراءها وشجعوا على المضي فيها.
في الحديث عن المقاطعة طرحت تساؤلات كثيرة، من قبيل هل نستطيع حقا الاستغناء عن كل المنتجات الغربية و الاميركية ؟ هل
نستطيع التخلي عن "فيسبوك" و"واتس اب" و"انستاغرام" التي تملكها شركة "ميتا"، وهل يمكن ان نجد وسيلة اخرى للسفر دون استخدام طائرات "بوينغ" أو "ارباص" مثلا ؟!
هل نملك ادارة اعمالنا دون برمجيات "ديل"، و"غوغل"، و"ابل"، و"ميكروسوفت"، و"اي بي ام" وغيرها؟! وهل نحن جادون في المقاطعة ام ان الامر لا يعدو ان يكون نوعا من "ارضاء الذات" أمام شعور ثقيل وقاتل بالعجز عن نصرة الاشقاء وانقاذهم من براثن الة القتل الصهيونية ؟!
اما السؤال الأهم والأخير، هل نحن قادرون فعلا على المقاطعة؟ وهل يمكن لنا ان نعيش بشكل كامل من دون ان تخترق حياتنا اليومية بضاعة او منتج لهذه الشركة او تلك من القائمة الطويلة التي تدعم الكيان الصهيوني صراحة وبشكل علني وبكل وقاحة؟ ام ان المسألة مجرد شعارات نرفعها ونعلكها كما نعلك الهواء ـ على حد قول نزار قباني؟ وهل يعني ذلك الا خيار أمامنا سوى العودة الى حياة الصحراء والخيمة؟

آخر الأخبار