الأربعاء 11 مارس 2026
22°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأخيرة   /   كل الآراء

باع كرامته بخمسين ألفاً

Time
الخميس 03 يناير 2019
السياسة
أحمد الدواس

يحكى أن ضابطاً بريطانياً صفع مواطناً هندياً على وجهه أثناء وجود الاستعمار البريطاني في الهند، وكانت ردة فعل المواطن الهندي صفع الضابط بكل ما يملك من قوة حتى أسقطه أرضا.
ومن قوة الصدمة المذلة انسحب الضابط من المكان وهو يردد: كيف يتجرأ مواطن هندي على صفع ضابط في جيش إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس؟ وكان متجها إلى مركز قيادته ليحدثهم بما حصل ويطلب المدد لمعاقبة هذا المواطن الذي يراه ارتكب جرما لا يغتفر.
لكن القائد الكبير هدّأ من روعه وأخذه إلى مكتبه وفتح خزينة نقود قائلا للضابط: خذ من الخزينة خمسين ألف روبية،واذهب إلى المواطن الهندي واعتذر منه على ما بدر منك وأعطه هذه النقود مقابل صفعك له.
جن جنون الضابط فقال: أنا من له الحق في صفعه وإذلاله وقد صفعني، وهو لا يملك الحق وهذه إهانة لي ولك ولجيش صاحبة الجلالة، بل إهانة لصاحبة الجلالة نفسها.
قال الضابط الكبير للضابط الصغير: اعتبر هذا أمراً عسكرياً عليك تنفيذه دون نقاش، فامتـثل الضابط لأوامر قائده وأخذ المبلغ، وذهب إلى المواطن الهندي، وعندما عثر عليه قال الضابط:
أرجو ان تقبل اعتذاري، صفعـتك ورديت لي الصفعة وأصبحنا متساويين، وهذه خمسون ألف روبيــة هدية مع اعتذاري لك.
قبل المواطن الهندي الاعتذار والهدية ونسي انه صفع على تراب وطنه مستعمراً يحتل أرضه، والخمسون ألف روبية في تلك الفترة تعتبر ثروة طائلة،اشترى المواطن الهندي بجزء من المبلغ منزلا وجزء احتفظ به وجزء اشترى به "ركشة"، والركشة وسيلة نقل بأجرة لها ثلاث عجلات يستخدمها الهنود في تنقلاتهم، واشتغل هذا المواطن واستثمر المبلغ في التجارة وفي وسائل النقل وتحسنت ظروفه وأصبح مع مرور الوقت من رجال الأعمال، ونسي الصفعة لتخليه عن كرامته، لكن الإنكليز لم ينسوا صفعة الهندي للضابط، وبعد فترة من الزمن استدعى القائد الانكليزي الضابط قائلا: أتذكر المواطن الهندي الذي صفعك؟
قال: كيف أنسى؟!
قال القائد: حان الوقت لتذهب وتبحث عنه ومن دون مقدمات اصفعه أمام أكبر حشد من الناس.
قال الضابط: لقد صفعني وهو لا يملك شيئا واليوم وقد أصبح من رجال الأعمال وله أنصار وحراس ومكنّاه من قوة لا يحلم بها، لن يصفعني اليوم فقط بل سيقتلني. قال القائد: لن يقتلك، اذهب ونفذ الأمر من دون نقاش.
امتثل الضابط لأوامر قائده وذهب إلى حيث الهندي وحوله أنصاره وخدمه وحراسه وجمع من الناس، ورفع يده وبكل ما يملك من قوة صفع الهندي على وجهه حتى أسقطه أرضا، ولم تبد من الهندي أي ردة فعل، بل لم يجرؤ على رفع نظره في وجه الضابط الانكليزي.
اندهش الضابط وعاد مسرعا إلى قائده،قال القائد للضابط:إني أرى على وجهك علامات الدهشة والاستغراب،قال: نعم في المرة الأولى رد الصفعة بأقوى منها وهو فقير ووحيد،واليوم وهو يملك من القوة ما لا يملك غيره لم يجرؤ على قول كلمة، فكيف هذا؟
قال القائد الانكليزي: في المرة الأولى كان لا يملك إلا كرامته ويراها أغلى ما يملك فدافع عنها، وفي المرة الثانية بعد ان باع كرامته بخمسين ألف روبية لم يستطع الدفاع عنها خوفا على مصالحه. انتهى.
إننا نحتاج في بلدنا الى رجال دولة، عزيمتهم قوية وضمائرهم حية لايهزهم المال، ولايستغل المرء منهم وظيفته الحكومية ليقبض الدراهم ليفر هذا عبر الحدود، أو ليقبض ذاك من معاملة لتمريرها ليتخطى رقاب الآخرين، فيسود الظلم في المجتمع، وبعضهم يدخل مجلس الأمة وقد اقسم بالله العظيم أن يؤدي واجبه بالذمة والشرف، فيدخل فقيرا ويخرج من البرلمان غنياً باع كرامته للمال السياسي، هذا بالله عليكم كيف يشعر باعتزاز واحترام لذاته؟ باختصار،نريد رجال دولة يخافون الله تعالى، تماماً مثل أخلاق عروة بن محمد لما دخل اليمن والياً عليه فقال: يا أهل اليمن، هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها فأنا سارق. هذا الرجل الحق الذي يفتخر بكرامته، ويفتخر العرب بأمثاله.

آخر الأخبار