الخميس 18 يونيو 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

بالمعرفة والفنون تحيا الشعوب

Time
السبت 28 أغسطس 2021
السياسة
الشيخة حصة الحمود السالم الحمود الصباح

"إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني" هذه الجملة الصادمة أطلقها الفيلسوف ابن رشد منذ قرون، ولا يزال صداها يتردد إلى يومنا هذا، وقال أيضاً:"إن التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل".
لقد قفزت إلى ذهني هذه المقولات الخالدة عندما كنت أطالع بعض التعليقات العجيبة للمعترضين على اقتراح النائب صالح الملا بنصب تمثال المغفور له بإذن الله سمو الشيخ عبدالله السالم، طيب الله ثراه، أمام مجلس الأمة أو أمام مركزه الثقافي، بحجة أن الشرع الشريف حرم النحت والتصوير.
وتذكرت فتاوى تحريم التصوير لمشايخ الصحوة حتى وجدناهم نجوم التصوير، والفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعي يتابعهم الملايين في حلقة من سلسلة تناقضاتهم الخالية من أي مبدأ إلا مبدأ المزايدة على الجميع، والتلاعب بالنصوص الشرعية، وتكييفها وفق التوجهات في تلون حربائي يتقنونه باحتراف استغلالا للجهل والنسيان، يفتون بحرمة الفنون بشتى صورها والمولى عز وجل يقول في كتابه الكريم في سورة سبأ:" يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ"(صدق الله العظيم).
هذا التنطع يأتي متزامنًا مع عودة حركة "طالبان" للسيطرة على أفغانستان وجميعنا شاهدنا الكثير من بسطاء الشعب الأفغاني يتشبثون بالطائرات في مطار كابول، في مشهد يندى له جبين الإنسانية، هربًا من طيور الظلام الذين عادوا لينقضوا على ما تبقى من مظاهر الإنسانية في هذا البلد الموبوء بالظلاميين!
هؤلاء الوحوش وأمثالهم أعداء الحضارة والإنسانية الذين دمروا الكثير من التراث الإنساني لشعوب الشرق، ولولا الجهل والباطل المغلف بفهمهم السقيم للدين لما وجدوا موضع قدم لهم في الشرقين الأقصى والأوسط بأكملهما.
من هنا نجد أن اهتمام الشعوب بالفنون والآداب، والموسيقى والشعر والمسرح والتصوير والنحت والقصص، هي الحصن الحصين لأي مجتمع ضد الأفكار الظلامية، وضد سيطرة أصحابها على ثروات الشعوب وموروثهم الحضاري الإنساني.
هذه العلوم لا تقل أهمية عن نظيرتها التجريبية والتطبيقية في تطور وتقدم الشعوب، بل يمكن اعتبارها حجر الأساس لدورها في رقي الأفكار والوعي المجتمعي لما تحمله من تراكم معرفي منذ فجر التاريخ، والدليل على ذلك ما تركته لنا حضارات العصور القديمة من شواهد تحكي قصص شعوب وكفاحها المنحوت على جدران المعابد، وحتى مناظر حياتهم اليومية، ووقوف التماثيل والمسلات شامخة في ميادين عواصم الكثير من الدول المتقدمة، شرقًا وغربًا.
لذلك أقولها وبوضوح لن تتقدم الشعوب، العربية والإسلامية، إلا بالتسامح وتقبل الآخر، وبالقراءة والمعرفة، وأن تتصدر العلوم الإنسانية قائمة الاهتمامات والأولويات لدى الحكومات والشعوب لأنها السبيل الوحيد لتحصين المجتمع ضد الأفكار الظلامية الرجعية، والعنصرية، والطائفية، والانحراف الأخلاقي.
تمكين الشباب من تفريغ طاقاتهم البدنية والذهنية في الرياضة والمعرفة لن تجعلهم يقعون في أفخاخ الظلاميين صناع الوهم من تجار الأديان، ومدعي الإصلاح، وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
"العلم يرفع بيتًا لا عماد له
والجهل يهدم بيت العز والشرف".

كاتبة كويتية
آخر الأخبار