الأربعاء 29 مايو 2024
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تباريح… ما بين الشروق والغروب
play icon
كل الآراء

تباريح… ما بين الشروق والغروب

Time
الاثنين 04 سبتمبر 2023
View
72
د.سعد عبدالله الجدعان

ثمار الفكر

بعد أن تضع الحرب أوزارها، وتنتهي المعارك، تصبح إرادة المنتصر هي القانون الذي يسير عليه المهزوم، وقديما كان هتلر يصرخ في خطاباته الويل للمهزوم، فالحرب ليست فقط تكسير عظام بقدر ما هي تكسير إرادة وشرائح وهويات.
التاريخ يتفق مع مقولة الفكر «نحن نحرمكم من أمر عظيم لكم… نحن نحرمكم من أن يكون لكم أعداء»، والعدو من الضروريات التي تجعل الأمم والشعوب في حالة من اليقظة، والبحث عن الريادة والاستمرار والتفوق حتى لا يأتي آخرون، يهزمونهم، ويفرضون عليهم قوانينهم، ويسخرونهم في خدمة مصالحهم، بدلا من أن يتفرغوا لبناء مستقبل أوطانهم.
قبل خمسة قرون، وقبل أن يهدم التتار مدن وبلدان العرب ويدمرون الفكر والتراث العربي، في نهري دجلة والفرات، كان العربي يحتمي بنهضته الشامخة التي كانت تحمي مصالح البلدان العربية وساكنيها، ويرحل العربي من شرق المعمورة إلى بلاد المغرب العربي، وينتهي به المطاف إلى بلاد الأندلس في شبة الجزيرة الايبيرية، يمارس رحلاته، وتجارته، وهو يعلم أن خلفه تراثا عربيا يستطيع أن يفخر به.
وكانت الأسواق العربية مفتوحة للعرب جميعا، لأن العصر كان عصرا عربيا، وصولا إلى جزر البحر المتوسط، والتي كانت نقاط التقاط بين الشرق والغرب، وما زالت جزيرة صقلية شاهدة على هذا التاريخ.
وكان هناك أسواق للبضائع ومن كل صوب وحدب، وحتى أسواق للكتب، والمنتجات الفكرية، التي كان الغرب يفاخر بحصولها من الأسواق العربية، حيث كانت النهضة الفكرية العربية رافدا يملأ نهر الإبداع الإنساني.
وكانت المدن العربية وقتها حلما لسفر أبناء الغرب يرتحلون إليها، ويفاخرون أقرانهم بزيارتهم للمدن المليئة بالكنوز، والثروات والأفكار، والتطور الذي كان يذهل العقول الغربية، وما زالت أصداء قرطاج وبغداد وفاس ومكناس ودمشق والقاهرة ومكة، تردد في الكتابات الغربية، التي تتناول هذا التاريخ العريق.
وعندما أصابت روابط الأمة الشيخوخة والوهن والضعف، جاءها التتار طامعين في هذه الكنوز، وقد قطعوا آلاف الأميال، للحصول على مبتغاهم، وكانت النهاية لهذا الجيل الذي دبت به عوامل الفرقة، والانحلال، والشيخوخة، وعاث التتار فسادا في كل البلاد، ولم يرحموا كبيرا ولا صغيرا، وتمت إبادة مدن بكاملها، وأصبحت المدن العربية، ينعق فيها بوم التتار، لأنها أهملت الدفاع عن هويتها، وانصرفت إلى اللهو، والاستهانة بالأعداء، وتعالت الثقة بالنفس، بصورة خادعة، وتسارعت الأعداء للسيطرة على مقدرات الأمة.
بعد أن سقطت الأندلس، وأصبح البحر المتوسط، تسيطر عليه السفن الأوروبية، وهجر العرب أرض الأندلس، وهاجم التتار المشرق، وأصبح العرب بين مطرقة المغول وسندان الحملات الصليبية، فقدت البلدان العربية مدنها واحدة تلو الأخرى.
صحيح إن صفحات التاريخ كانت مزروعة ببذور البطولات، وشهدت عين جالوت وحطين أعظم البطولات والانتصارات العربية، إلا أن الأمة مازالت تحتاج إلى البحث عن مقدراتها.
نحن على قناعتنا أن هدم العقبات التي تواجهنا، ينبغي أن نحطم به تلك العراقيل التي تواجه محاولات الاستثمار في الانسان وتطويره، وهو هدف العلم الوحيد، الذي يبعث بالنور، فمازال العقل العربي في حاجة ماسة لأن يستيقظ من سباته، وينهض مستعينا بالتراث الحضاري الذي خلفه الأجداد.
كاتب كويتي
متخصص في القانون الدولي

د.سعد عبدالله الجدعان

[email protected]

آخر الأخبار