أحمد غلوم بن عليلم تبدأ جدلية الدين والسياسة أو الخطاب الديني والواقع عبر موروث التاريخ الغربي في العصور الوسطى، أو ما قبله فقط، إنما أسس التاريخ السياسي الإسلامي أيضا لهذه الجدلية لكن بخصوصية معاكسة تمثلت في استغلال الدين من أجل السلطة، فكان أن ورثت المجتمعات تلك الجدلية فأسست وعيا سياسيا مجتمعيا يستنفر من دخول الواقع السياسي في الخطاب الديني، هكذا الأمر تماما في الخطاب الديني العاشورائي وقضية سياسية أممية كالتطبيع مع الكيان الصهيوني. لا شك أن التاريخ السياسي الشيعي كان له دور في تغذية مثل هذه الجدلية، فلم يساعد مثل هذا التاريخ على استقلال الخطاب الديني في مراحل متعددة وطويلة، بل ولا يزال ذلك قائما في دول إسلامية عدة، فكان أن انكفأ الخطاب الديني العاشورائي خصوصا إلى قضايا أخرى أبرزها اجتماعية وعقائدية، وهي بلا شك قضايا مهمة وأساسية.تأثير هذا التاريخ السياسي لم يقتصر على تسطيح الوعي السياسي فقط، إنما دفعه في مراحل محددة من هذا التاريخ إلى الانغلاق أكثر وأكثر، فبات من اهتماماته الرئيسية (كما هو الحاصل اليوم) مناكفة الآخر مذهبيا، وإثبات مثالبه والرد على شبهاته، وما إلى ذلك. وهذا يبدو أنه ليس بالأمر الذي يمكن الاستهانة به والتخفيف من وطأته، كونه يؤسس لوعي مجتمعي منغلق، وإذا ما تجاوزنا تأثيره على التعايش ومبدأ المواطنة، فإن مثل هذا المسار في الخطاب الديني يدفع إلى المزيد من الجهل السياسي!لا شك أن ما يصطلح عليه بوسائل التواصل الاجتماعي تمارس دورا جيدا أحيانا في الاطلاع على ما يجري في العالم، لكن ذلك لا يصنع وعيا سياسيا ولا ثقافة سياسية. هنالك جملة من الأسباب الأخرى غير تجربة وإرث التاريخ السياسي التي أثرت ولا تزال في هاجسية الخطاب الديني بخاصة العاشورائي مما هو سياسي، فتجارب بعض الأحزاب في بعض البلدان العربية، والتي مارست دورا في استغلال مثل هذه المناسبات الدينية لتمرير مشاريعها السياسية الضيقة، كان له دور واضح في صناعة هذه الجدلية في العقلية الدينية. لكن أيضا من الممكن القول إن قصر وبساطة الخلفية السياسية للقائمين على الخطاب الديني كان له دور في تغذية مثل هذه الجدلية، فعدم الوعي السياسي بأمور العالم وتأثيراته على المجتمعات العربية، وما يحاك عبر هذا النظام الدولي، لن يؤسس بطبيعة الحال إلى مصالحة الخطاب الديني والشأن السياسي.كما أن النفور الاجتماعي لما هو مرتبط بالشأن السياسي (الذي غذته بعض النظم السياسية) لا يدع للخطيب مثلا من مجال للخروج مما هو السائد في هذا المجتمع أو ذلك، وهذا لا يبرر بطبيعة الحال للقيمين على هذا الخطاب الديني، وإلا فلن تكون لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) من معنى وأثر إن لم يتجسد في ناقل هذا النهضة. لا نبالغ بالقول إن الخطاب الديني الحسيني هو من أهم الوسائل والطرق على مر التاريخ السياسي في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي والسياسي، بل إنه شكل في مراحل من تاريخه مقاومة للمحتلين وسدا منيعا ضد بعض المخططات الغربية.
وعندما نتحدث عن الواقع أو الشأن السياسي فإننا نقصد بهذا القضايا الأممية ذات الهم المشترك لجموع هذه الأمة العربية والإسلامية، وعلى أعلى هرم هذه القضايا الأرض المحتلة في فلسطين، ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني، فالموقف من التطبيع ليس مسألة موقف فقط، ولا يجب أن تكون كذلك، إنما هي مسألة تجسيد لهدفية مسيرة كربلاء وأهداف الإمام عليه السلام في الوقوف الى جانب المضطهدين والمستضعفين ، بل هو الوقوف أمام حركة استيطانية تمتد إلى العديد من الدول العربية لصناعة مجتمعات مسلوبة مستعبدة متصارعة، فإن لم يحمل الخطاب الديني العاشورائي مثل هذا الهم الواقع الجاثم على صدور المجتمعات المسلمة، فما الهم الأولى الذي يمكن أن يكون؟للخطاب الديني في شهر محرم الحرام خصوصا دور رئيسي وأساسي في مناهضة التطبيع عبر الإسهام في تأسيس الوعي السياسي المناهض لدول الاحتلال، حيث توجد أجيال لا تعرف عن مآسي القرن المنصرم إلا بضعة أسطر في كتاب مدرسي إن وجد، ولا تعي خطورة ثقافة كثقافة التطبيع.كما للخطاب الديني دور في ترفيع هذه الثقافة من مستويات المهاترات والمناكفات المذهبية إلى مستويات تدشين هم اممي تعيش قضايا الأمة العربية والإسلامية ، كما كان يعيشها السيد عبد الحسين شرف الدين على سبيل المثال لا الحصر.كاتب كويتي