الجمعة 10 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

جذور "كورونا" ثقافية

Time
الاثنين 05 أبريل 2021
السياسة
د.لويس حبيقة

لم يأت "كورونا" من لا شيء، بل حتماً من سوء تصرف ثقافي واجتماعي من مواطني العالم.
"كورونا" ليس موضوعا صحيا فقط، بل حضاري بالدرجة الأولى نتج عن سنوات من الحياة الاقتصادية والمالية المتهورة. حقيقة، لا يعرف العالم اليوم قيادات كبيرة ذات رؤية متقدمة ومتطورة كنايريي في تنزانيا أو سوكارنو أندونيسيا أو مانديلا أفريقيا الجنوبية. تلك القيادات غابت، وكانت ستؤدي دورا كبيرا خلال الظروف الصعبة التي نعيش فيها. للأسف لا ينعم العالم اليوم، وبخاصة الدول الناشئة بقيادات مماثلة مع أخلاق كبيرة وتصرفات فاضلة توجه الحكومات الى الطرق الصحيحة.
قبل "كورونا" أي حتى آخر 2019، كانت مستويات الفقر في العالم في انحدار باستثناء عدد قليل من الدولa الأفريقية والآسيوية التي بقيت مستويات الفقر داخلها مرتفعة رغم المساعدات السخية، ومنها أفغانستان، غانا، كوريا الشمالية، السودان واليمن.
هناك دول أخرى عربية يمكن إضافتها الى اللائحة الطويلة من 60 دولة التي تكلم عنها الاقتصادي بول كوليير الخبير والأستاذ الجامعي في كتب عدة.
يأسف المؤلف لتراجع هذه الدول وعدم قابليتها للتطور، بل براعتها في اضاعة الفرص الثمينة، وتختصر التنمية بالأمل للشعوب كي تعمل وتستهلك وتتطور، وهذا يغيب عن عدد كبير من الدول الفقيرة والمتوسطة. هناك أسباب متعددة لتخلف الدول الستين وأكثر عن قطار التطور.
أولا: الفساد وهذا واضح في معظم الدول النامية وظاهر أيضا في لبنان مثلا وفي دول عربية عدة. في لبنان، هنالك اجماع شعبي على أن الفساد يقتل الفرص الكبيرة والمبادرات التي تقدم الينا.
هناك مواضيع قليلة يجمع عليها اللبنانيون أهمها الفساد العام وسوء الادارة والهدر والسرقات وغياب المحاسبة عبر القضاء.
ثانيا: التقلبات السياسية الكبيرة التي لا تسمح للاقتصاد بالنهوض والتطور لغياب الأفق الايجابي بشأن المستقبل. من يستثمر في دول تتعرض للزوال أو السقوط الاداري والسياسي والقانوني؟
في هذه الدول تغادر الشركات وتهرب الاستثمارات ويهاجر المواطن وبخاصة أصحاب الكفاءات والشهادات والخبرات. في لبنان اليوم نواجه هجرة خطيرة بسبب التشاؤم غياب الأفق الجيد، وبالتالي نخسر أهم الأطباء والممرضات والقضاة وأصحاب الشهادات العالية. هذه هجرة دائمة لمواطنين في منتصف العمر يغادرون الى دول تقدر الكفاءة وتحترم النزاهة وتنوه بالجهود والانتاج الجيد.
ثالثا: ادارة القطاع العام، اذ لا يمكن لمجتمع أن يدار بالفوضى وسوء الرؤية وانتشار الفساد. كيف يمكن لمجتمعات كهذه أن تواجه "كورونا" التي تتطلب جمع كل القدرات البشرية والمادية، كيف يمكن لمجتمع أن يطبق نصائح الادارات العامة اذا كان لا يحترمها أو لا يثق بها؟
لا نزال نسمع في هذه المجتمعات مواطنين لا يعترفون علنا بالفيرو، ويستمرون بالتجمع والسهرات والاحتفالات.
هناك في الواقع مشكلات صعبة تواجه الدول المتأخرة وتتطلب المعالجة السريعة، وتكمن في أن الوقوع بالتعثر ربما سهل لكن الخروج منه صعب جدا.
من ناحية أخرى، لا يمكن انقاذ أي دولة عبر مساعدات الخارج فقط، بل يجب أن تأتي الحلول من الداخل، ففي لبنان مثلا، نتكلم عن المؤامرات الخارجية ونريد من الخارج أن يساعدنا ونلوم الجميع الا أنفسنا، علما أننا مدركون أن مشكلتنا فينا ولن تكون هناك حلول صحيحة الا من الداخل وبتعاون الجميع.
في مجموعة الدول المتعثرة، هنالك تحديات تأتي أقله من مصادر أربعة، وهي الحروب الداخلية أو الموارد الطبيعية التي يحاول الخارج استغلالها بالتعاون مع الداخل أو بعضه، وهناك أحيانا الجوار السيئ الذي يستغل أو يحاول الابتزاز حتى لا نقول الاحتلال، وهناك طبعا سوء الادارة واستغلال المواطن وسرقته مما يبقيه فقيرا لا يطالب بحقوقه.
الحلول هذه المآزق المختلفة معروفة، لكن التطبيق دائما صعب بسبب الفساد وسوء الرؤية وغياب روح المسؤولية كما المحاسبة:
أولا: في الموضوع الاقتصادي، لا بد من الانفتاح التجاري والمالي اذ لا يمكن النهوض مع الاغلاق، وهذا ما تعرفه دول عدة في مقدمها كوريا الشمالية.
لا بد من تنويع الصادرات لمواجهة المخاطر، والانفتاح لتشجيع الاستثمار مع تأمين البنية التحتية الدنيا، وهو ما تعجز عنه دول عدة، كلبنان حيث مشكلة الكهرباء أصبحت مضرب مثل عالمي للفشل. لا يمكن اليوم لأي دولة النجاح من دون اتفاقيات واضحة تكون لصالح الجميع، حتى الولايات المتحدة توقع اتفاقيات تجارية ومالية مع الدول القريبة والبعيدة، فكيف اذا لدولنا الصغيرة والضعيفة.
ثانيا: الموضوع الاداري حيث الغنى المادي العام يهدر، وبالتالي يجب ضبط الأمور عبر تسليم أصحاب الكفاءة ادارة هذه الموارد من طاقة ومعادن وغيرها. هناك ضرورة لحسن استثمار ايرادات الموارد الطبيعية عبر خلق صندوق استثماري.
لقد نجحت النرويج والكويت وغيرهما في ادارة ثرواتها في زمن البحبوحة تحضيرا لمراحل أكثر دقة وصعوبة.
ثالثا: الاصلاح القانوني أكثر من ضروري، والا حصلت شريعة الغاب والفوضى والسرقة. هناك ضرورة دائمة لتطوير قوانين تحترم استخراج الثروات والأصول الطبيعية كما الحريات والديمقراطية، ولا بد من شفافية في الأمور المالية العامة بحيث تقر موازنات تعالج الأوضاع وتقدم أرقاما واقعية يتم الالتزام بها.
كل هذه النصائح مفيدة ولا بد منها، لكن الأهم يبقى الدور الداخلي، أي دور المواطن في الانقاذ، فاذا لم يقترع في كل انتخابات، ولم يطالب بحقوقه بشتى الوسائل الممكنة، فلن يحصل الانقاذ وستبقى الأوضاع سيئة.
مطالبة المواطن بحقوقه دليل على الحيوية والرغبة بالتغيير لأنه يريد الأفضل.
من ناحية "كورونا"، القضاء عليها وربما عدم عودتها بأشكال أخرى يتطلب تغيير نمط الحياة أو قواعدها بحيث تصبح صديقة أكثر للطبيعة وللبيئة، والتغييرات التي نواجهها في مجتمعات اليوم ليست سهلة، وستأخذ الوقت الطويل لكن لا بد منها للانقاذ الحقيقي الدائم.

خبير اقتصادي لبناني
آخر الأخبار