إعداد – أحمد القعب:كان للصحابة والسلف الصالح -رضي الله عنهم- السبق في الاحتفاء والتبرك بشهر رمضان المعظم، تمكن بعضهم من ختم القرآن يومياً، ومنهم من زاد عن ذلك، فكان يختم الذكر الحكيم أكثر من مرة، ومنهم من تفرغ في أغلب يومه للعبادة والتقرب إلى الله، وتحفل مرويات السلف الصالح بالكثير من مظاهر اجتهاد الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين- وتسابقهم في الفوز ببركات هذا الشهر الكريم، التي نستعرض نفحات منها في هذه الحلقات، لنعيش مع يومياتهم في رمضان؛ لعل بعضنا يتذكر أو يتأسى.جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه– ذو الجناحين وصاحب الهجرتين، أحد الصحابة الذين شهد لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم– بالتقوي وشبهه بالملائكة، وواحد من بناة الاسلام الأجلاء الذين سخروا ما يملكون من مال وجهد لخدمة الدين ورفع راية المسلمين، وكان عمله الصالح يتعاظم خلال الشهر الكريم، فيفتح بيته لكل من يطرق بابه من الفقراء والمساكين ويبادر بإطعام ورعاية المحتاجين ممن يتعففون عن طلب الاحسان، يقضي نهار رمضان في السعي والذكر، وليله قيام حتى غسق الليل، فصلاة الفجر في جماعة، يعقبها تلاوة ايات الكتاب حتى تشرق شمس يوم جديد.
لا يمكن ان يأتي ذكر جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- دون التطرق إلى مقتطفات من عباراته البليغة للملك النجاشي خلال هجرته للحبشة، عندما سأله عما جاء به الي بلاده مهاجرا فقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ورجونا ألا نظلم عندك. وأمام هذه الروح القوية المفعمة بالثقة واليقين لم يكن امام النجاشي من سبيل إلا ان يرحب بضيوفه المسلمين، وان يفتح لهم بلاده ليعلموا رعاياه الحكمة والفروسية ويرفض مطالب مشركي مكة بتسليمهم. وعندما اذن النبي للمهاجرين بالرجوع، عاد الي المدينة يوم خيبر، فالتقاه النبي وقّبل ما بين عينيه وضمه واعتنقه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر، واظهر جعفر الكثير من الصفات التي اهلته لتبوأ مكانة خاصة بين الصحابة، ويروى ان الرسول -صلى الله عليه وسلم– قال له مادحاً: أشبهت خَلقي وخُلقي"، واطلق عليه الصحابة لقب ذو الجناحين وعرف لدي عدد من كتاب السيرة بالطيار، وسبب تسميته بذلك أنه في غزوة مؤتة التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة بالشام، تميز بشجاعة كبيرة، وكان يحمل علي الروم بقوة الي ان تمكنوا منه، وقطعوا يديه وقدميه قبل ان يستشهد، فلما أخٌبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ظهر عليه الحزن وقال: إن الله أبدله بجناحين في الجنة، ويروي ايضا ان النبي قال: رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين. وكان -رضي الله عنه- كثير الصدقة لوجه الله تعالي، ويروي أبو هريرة ان أخيّر الناس للمساكين كان جعفر بن أبي طالب، ويقول: كان يذهب بنا إلى بيته ليطعمنا، فإذا لم يجد لنا شيئا، أخرج إلينا عكة أثرها عسل، فنشقها ونلعقها، ولشدة عطفه علي الفقراء وإحسانه الي المعوزين، فقد كّناه النبي بأبي المساكين؛ لأنه كان يلازمهم ولا يمنعهم من شيء ولا يرد احدهم خائبا، ولعل ذلك ما دفع ابو هريرة الي الاستفاضة في ذكر مناقبه، اذ يروي عنه الترمذي قوله: ما احتذى النعال ولا أنتعل، ولا ركب المطايا بعد رسول الله أفضل من جعفر بن أبي طالب".ارتبط اسمه بصوم رمضان في اكثر من حدث يظهر قوة ايمانه وكرمه ومسارعته بالصدقات، كما يروي أنس بن مالك مناسبة ترتبط بفعل له ترتب عليه حكما فيقول ان أول ما كُرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذان، وكان يعني المحتجم والقائم بالحجامة - ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الحجامة للصائم.