أحمد الدواسذكرنا في وقت سابق قصة رمزية قديمة تمثل واقع الكثير من المجتمعات، ولا بأس من ذكرها لأهميتها مع بعض التعديل، فقد كان هناك حمار قيد بشجرة فجاء الشيطان وفك له الحبل، فدخل الحمار حقل الجيران وأخذ يأكل الأخضر واليابس، رأته زوجة الفلاح صاحب الحقل، فأخرجت البندقية وقتلته، سمع صاحب الحمار صوت إطلاق النار، ولما رأى الحمار مقتولا غضب وأطلق النار على زوجة الفلاح، رجع الفلاح فوجد زوجته مقتولة، فحمل البندقية وقتل صاحب الحمار. سٌئل الشيطان: ماذا فعلت؟ قال: لاشيء... فقط أطلقت الحمار.لذلك إذا أردت تدمير المجتمع فأطلق الحمـــير.قصة أخرى، فقد كان لدى المخابرات الأميركية روسي يعمل لصالحها، أي يتجسس لها، وشغل منصب وزير الخدمة المالية في موسكو، ففطنت لهذا الشخص الحكومة الروسية فكان تحت المراقبة، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه الى جمهوريات مستقلة في سنة 1989 كرمت المخابرات الأميركية هذا العميل، ولما عاد الى موسكو قال له ضابط الحكومة الروسية: لقد كنت مسؤولاً عن مراقبتك ولم اجد لك أي علاقة مع المخابرات الأميركية ولا تواصلا معها، ولا مراسلة فماذا فعلت لها؟فكان رد العميل: كنت أُعيِّن كل خريج في غير تخصصه وفي غير مجاله، وأشجِّع على ترقية الأغبياء مع تلميع ممنهج، ودعاية إعلامية لهم، واحول دون صعود الكفاءات تحت مبرر نقص الشروط، حتى بقي في المناصب العليا الـمغـفّلون والقدامى والأغبياء الجدد فأصيب الاتحاد السوفياتي بالإفلاس الفكري وسقط.
في بلدنا يتولى بعض الجهلة وأنصاف المتعلمين مناصب قيادية في الوزارات، مع نواب يجهلون خطورة الوضع الإقليمي، ولا يطلعون على الأحداث العالمية ليتعظوا منها، همهم صوت الناخب. فمنذ استقلال الكويت كان بمقدور بلدنا ان يصبح ضمن مصاف الدول الراقية، أوعلى الأقل النامية، لكننا لسنا كذلك بالمقاييس الاقتصادية والاجتماعية، فلاوزارة التخطيط خططت بشكل جيد، ولا وزارة المالية تملك وزيراً محنكاً يفهم بأمورالاقتصاد، ووزارة التجارة والغرفة التجارية تحابيان التجار، ووزارة الأشغال تعين مهندسين شبه جهلة، ووزارة "الأوقاف" تتباهى بأنها تمارس الدين على وجهه الصحيح، فإذا كانت كذلك فلماذا اذنً يحدث فساد فيها؟ وتفشت بالمجتمع سلوكيات سيئة، وماتت الضمائر وبيعت الذمم فغرقت البلاد بأمواج الوافدين. التعليم ضعيف، والمواطن لايجد سريراً بمستشفيات الحكومة إلا بشق الأنفس بسبب زيادة أعداد الوافدين، وتركنا حدود الكويت من دون إقامة الأسوار العالية ذات الجدران الصلبة بأسلاك كهربائية لا الأسلاك الضعيفة، ففي وقت ما فر سجين ودخل الأراضي السعودية، ولا نرى أي حماية من الشرطة والأمن لمنشآت الدولة النفطية. وإذا راجع المواطن وزارات الدولة وجد وجوها عابسة تنتظر العطلة الأسبوعية، أو الأعياد بفارغ الصبر، تتململ فلا تنهي معاملتك إلا بعد إذلالك. والعمل الحكومي لامجال فيه للمبدعين أو ذوي الكفاءة، بل للمحاباة والمحسوبية وتعيين من له واسطة، انها قمة الظلم والتخلف. قبل نحو عشر سنوات، قررت الحكومة زيادة مالية لمن لديه شهادة ماجستير أو دكتوراه، فهرعت النفوس الرديئة من مختلف فئات المجتمع، تسعى وراء الحصول على هذه الشهادات هنا وهناك، ولأن كل طلب يؤدي الى عرض في السوق، عرضت جامعات وهمية في الخارج منح هذه الشهادات مقابل المال، فتم تعيين كثير من هؤلاء بالمناصب الوظيفية، فرأينا كيف تردى الوضع الداخلي بالدولة. وهكذا فإذا أردت ان تهدم المجتمع فأطلق الحــ...عفوا، فاهدم التعليم. ليت الحكومة تلغي بعض المواد الدراسية، وتقرر تدريس مواد تطوير الذات في المدارس، حتى تبني شخصية المواطن الصالح قبل الاهتمام بالأسمنت كبناء المصانع والطرق والمستشفيات، أو تنشىئ الكويت "وزارة إدارة تطوير الذات" حتى نبني جيلاً راقياً ومثقفاً يخدم وطنه. سفير كويتي سابق