الخميس 16 يوليو 2026
42°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأخيرة

حاتم الأصم في الحج

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 15 يوليو 2021
السياسة
محمد الفوزان

هو من كبار العلماء الزهاد، أحد رموز تابعي التابعين في القرن الثالث الهجري، المتوفى في 237 هجرية، من قدماء مشايخ خراسان من أهل بلخ، وهو في الحقيقة لم يكن أصما، إنما اشتهر بذلك لأنه لما جاءته امرأة فسألته عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها صوت فخجلت، فقال حاتم:"ارفعي صوتك"، فأوهمها أنه أصمّ، فَسُرَّت المرأة بذلك، وخرجت تقول للناس:" ما أفقهه لولا أنه أصم"، فلقّب بحاتم الأصم.
وفي سنة من السنوات اشتاق الى الحج، لكنه لا يملك النفقة على نفسه ولا على أهله من بعده، لأنه سوف يغيب عنهم أشهرًا، فلما اقترب موسم الحج أخذه الهمُّ والحزن والغم حتى قاده ذلك إلى البكاء شوقا لبيت الله الحرام، فرأته ابنة له صغيرة، لكنها كبيرة في صلاحها وتقواها، فقالت لأبيها:"ما يبكيك يا أبتاه"؟
فقال:الحج أقبل.
فقالت:"وما لك لا تحج"؟
أجاب:"النفقة".
فقالت:"يرزقك الله".
قال:"النفقة عليكم من بعدي".
أجابت:"يرزقنا الله".
فقال:"الأمرُ إلى أمكِ، لأن الأم هي من تتحمل هم البيت والطعام والشراب والمريض وغيرها".
فذهبت البنت إلى أمها وإخوانها وأخواتها وقالت لهم:"والدنا ليس هو الرزَّاق، إنما الرزَّاق الذي يرزقنا هو الله تعالى…فلندعْ والدنا يخرج إلى الحج".
فما كان من أمر العائلة الا الموافقة، فخرج حاتم الأصم، وكان قد اعطى أهله من النفقة ما يكفيهم لمدة ثلاثة أيام.
لا إله إلا الله ما أعظم هذا التوكل على الله، وهو يعرف أنه سيتركهم لأشهر، ثم خرج يسير خلف القافلة لأنه لا يملك النفقة حتى يكون ضمنها، وفي طريقهم الى مكة قّدر الله تعالى أن عقرباً تلدغ أمير القافلة، فأصابه الألم الشديد حتى كاد ينهي حياته، فقال الناس:"إن حاتم الأصم الرجل الصالح معنا خلف القافلة، فلماذا لا نطلب منه أن يرقي القائد"؟
فذهبوا إليه وطلبوا منه ذلك فوافق، ثم أتى ورقى قائد القافلة فشفاه الله تعالى وعافاه من ذلكم السم، فقال القائد:"نفقتك في الذهاب الى الحج وفي العودة منه عليّ"، فاستبشر حاتم، وعلم أن ذلك من فضل الله، ثم قال:"اللهم هذا تدبيرك لي فأرني تدبيرك في أهل بيتي".
أمّا أهل بيت حاتم فلقد مضى اليوم الأول والثاني والثالث، فلم يزدد الأمر إلا سوءًا وفقراً وحاجةً، فأخذت الأم والأولاد يعاتبون البنت الصالحة، وقالوا:"أنت السبب في ما نحن فيه وأنت التي فعلتِ وفعلتِ".
وأخذوا يلومونها ويوبخونها، لكنها صابرة واثقة وهي تبتسم وتقول في نفسها:"اللهم قد عودتنا فضلك فلا تمنعنا من فضلك".
فقالت لها أمها:"كيف تضحكين ونحن نتضور جوعا"؟
فقالت:"هل أبونا هو الرزَّاق أم انه آكل رزق"؟
فقالوا:"بل إنه آكل رزق والرزَّاق هو الله تعالى"، فقالت البنت الصالحة التقية الواثقة بالله تعالى:" لقد ذهب آكل الرزق وبقي الرزَّاق"، وما هي إلا ساعات وباب البيت يُطرق فقالوا:"من الطارق"؟
قال:"إن الأمير يستسقيكم"، فقالت الأم:"سبحان الله نحن نتضور من الجوع وأمير المؤمنين يستسقينا"!
فما كان منها إلا أن جهّزت إناءً نظيفاً وملأته ماء عذباً، وقد كان أمير البلدة في رحلة صيد، فانقطع الماء عنهم فأصابه العطش الشديد، فارسل وزيره إلى أقرب بيت، فكان بيت حاتم الأصم.
لما شرب الأمير من ذلك الماء أحس بطعمه وعذوبته، فسأل الوزراء: من صاحب البيت؟
قالوا:"هذا بيت حاتم الأصم".
فقال:"الرجل الصالح"؟
قالوا:"نعم".
فقال:"الحمد لله الذي أسقانا من بيوت الصالحين".
اضاف:"نادوه حتى نجازيه".
فأخبروه أنه خرج للحج، فقام الأمير وخلع مِنطقته، أي حزامه وهو من القماش المرصع بالجواهر والدرر، ورمى به لأهل حاتم الأصم، وقال لوزرائه:"من كان منكم لي عليه يد- يحترمني- فليفعل صنيعي".
فخلعوا جميعاً أحزمتهم وأعطوها أهل حاتم، فقام أحد التجار واشترى هذه الأحزمة بمبالغ كبيرة من الذهب، وأعاد هذه الأحزمة إلى الأمير والوزراء تزلفاً وتقرباً لهم، فأصبح بيت حاتم الأصم من أغنى بيوت المسلمين، وأخذ أبناء حاتم يأكلون ويشترون ما يريدون من الطعام.
لكن البنت الصالحة تبكي! عجباً والله لهذه البنت التقية!
فقالت لها الأم:"عجباً لكِ يا بنيتي، بالأمس كنا في جوع وفقر، وأنت تضحكين واليوم، وقد أغنانا الله، وأنت تبكين"؟
فقالت البنت الصالحة:"هذا مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً نظر إلينا نظرة واحدة بشفقة ورحمة فأغنانا حتى الموت، فكيف لو نظر الرزَّاق إلينا عز وجل"؟
لكم أن تتأملوا في عمق هذه العبارة التي قالتها البنت الصالحة…نسأل الله جلّ وعلا صلاح النية والذرية والعصمة من الفتن والزلل ومن فساد القول والعمل.

إمام وخطيب

[email protected]
آخر الأخبار