إعداد – أحمد القعب:كان للصحابة والسلف الصالح -رضي الله عنهم- السبق في الاحتفاء والتبرك بشهر رمضان المعظم، تمكن بعضهم من ختم القرآن يومياً، ومنهم من زاد عن ذلك، فكان يختم الذكر الحكيم أكثر من مرة، ومنهم من تفرغ في أغلب يومه للعبادة والتقرب إلى الله، وتحفل مرويات السلف الصالح بالكثير من مظاهر اجتهاد الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين- وتسابقهم في الفوز ببركات هذا الشهر الكريم، التي نستعرض نفحات منها في هذه الحلقات، لنعيش مع يومياتهم في رمضان؛ لعل بعضنا يتذكر أو يتأسى.
أمير المؤمنين عثمان بن عفان الصحابي الجليل واحد المبشرين بالجنة، ومن أكثر المتسابقين لنيل خير وبركات شهر رمضان الكريم بالعمل الصالح والتعبد ليلاً ونهارًا، هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي نسبه بنسب الرسول صلى الله عليه وسلم في "عبد مناف"، من مواليد الطائف في العام السادس بعد عام الفيل، كان محبوبًا قبل وبعد الإسلام،عرف بذي النورين لزواجه باثنين من بنات الرسول صلى الله عليه وسلم "السيدة رقية وعقب وفاتها تزوج السيدة أم كلثوم"، وصاحب الهجرتين، وكني بابن عمرو، اشتهر بالكرم والجود، وحسن الضيافة، ورجاحة العقل، وسلامة القرار.يجمع الرواة انه من خلصاء الصحابة السباقين للاسلام، لم يسجد للأصنام قبل البعثة النبوية، وشارك الرسول صلى الله عليه وسلم أغلب معاركه، وسار على دربه إلى أن تولى خلافة المؤمنين، فنشر العدل، وأحق الحق الى ان تعرض لما عرف بالفتنة الكبرى بين المسلمين، فقتل، وهو يتلو ايات الله ودفن مع الشهداء والصديقين في البقيع.تتحدث كتب السيرة عن مناقبه التي تكاد لا تحصي، فتذكر انه كان يعتق كل يوم رقبة، ينصر الضعيف، ينصف المظلوم، ويقاوم الكبر والضلال، ولسانه دائم الذكر والاستغفار، فاذا ما ادرك رمضان، اجتهد في ختم القرآن الكريم كاملاً كل يوم، بقلب خاشع، وتضرع يشهد به الانصار والخصوم سواء بسواء، كما اشتهر بالعفة والحياء والعطف على الفقراء، والحرص على تأمين قوت يومهم، ولم يكن يكتفي بالصوم والاحسان في شهر رمضان، بل يصوم أغلب أيام الدهر، عدا الايام التي ما يكره الصوم فيها مثل الأعياد، ولم يتخلف طوال حياته عن المشاركة في جميع الانشطة التي تستهدف خير المسلمين ونصرة العقيدة، ووظف ما افاء الله عليه من سعة في المال لخدمة الدين وتمويل الغزوات، فأسهم في تجهيز جيش العسرة، واشترى بئر معونة وجعلها وقفا للمسلمين في المدينة المنورة. وامتدت جهوده لحفظ السنة النبوية، وإعالة رواتها واتاحتها لكافة المسلمين في ارجاء الدولة الاسلامية التي شهدت اتساعا كبيرا في عهده، كما كان من رواة الاحاديث، ويروي عنه ابن ماجه قوله: "سمعت رسول الله صلى الله عليه، وسلم يقول الصيام جنة من النار، كجنة أحدكم من القتال".وكان عثمان يتحلى ببعد النظر، ويتصف بصفات القائد الملهم الذي يري ما لا يراه الكثيرون، فعندما بلغه بكثرة اللحن وتعدد الروايات بسبب تباعد الولايات، امر رضي الله عنه بجمع القرآن وتوحيده على لحن واحد وأرسل عدة نسخ إلى الأمصار الإسلامية، لتجنب اختلاف المسلمين في القراءة، ووأد الفتنة بين القراء، ما جنّب المسلمين حتى اليوم خطر تحريف الذكر الحكيم، واصبح المصحف المتداول في جميع الاقطار الاسلامية، يصّدر بعبارة تشير الى انه منسوخ عن مصحف عثمان، في تكريم لم يحظ به الكثير من الصحابة. ومع اقتراب العشر الأواخر من رمضان كان عثمان يجتهد في التقرب لله عز وجل، أملاً في نيل بركة وخير ليلة القدر، واقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فيغتسل ويقوم الليل، ويقرأ القرآن، الى ان يحل وقت السحور، فيتناول سحوره مع اهله، ثم يسارع الي المسجد.