حسن علي كرممشكلة العمالة المهاجرة ليست كويتية أو خليجية فقط، انما هي عالمية، ففي ذروة الهجرات التي بدأت اثر الازمة السورية حين غادر ملايين السوريين مغامرين بأرواحهم للفرار من الحرب، الى البلدان الاوروبية، وفيما بعضها رفض فتح حدوده واستقبال اللاجئين، فإن البعض الاخر على استحياء استقبلهم، كانت المانيا وحدها التي فتحت حدودها واستقبلت اربعة ملايين مهاجر سوري وعراقي وافارقة، وحينها واجهت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل، حينذاك، حملة داخلية وأوروبية شعواء لانها سمحت للمهاجرين الغرباء ان يدنسوا بأقدامهم ارض الطهارة اوروبا، حيث المدنية والتقدم والعلوم الذرية.ميركل قبلت انخراط هؤلاء بالمجتمع الالماني،وهي لم تقل شيئاً عن ذرائع ترحيبها بالمهاجرين، رغم معارضة الاحزاب العنصرية، لكن ما لم يفهمه الكثيرون هو ان المانيا تعاني من نقص شديد بالعمالة الرخيصة التي لا تخضع لقوانين الإقامة، كالتأمين الصحي وغيره.المانيا ليست وحدها من البلدان الصناعية التي تسمح بتشغيل العمالة المهاجرة غير القانونية، ففرنسا ايطاليا واستراليا ونيوزيلاندا والولايات المتحدة تقبل بذلك، وهناك اكثر من عشرة ملايين مهاجر من المكسيك ودول امريكا الشمالية يقيمون اقامة غير قانونية في الولايات المتحدة، وحاولت السلطات المركزية تقليص عددهم، بل لجأ الرئيس السابق دونالد ترامب الى بناء سور حديدي تصدياً للمزيد من الهجرات. في لبنان دخلت محل بقالة فوجدت صاحب البقالة جالسا في ركن يراقب ويشيش، فيما اولاد اعمارهم تتراوح بين 15 الى 17 يخدمون الزبائن، قال لي هذا الرجل ان اصحاب الاعمال اللبنانيين يفضلون العمالة السورية لأنها لا تخضع لشروط الاقامة من التأمين الصحي ورسوم إقامة.في الليلة التالية على انتهاء كأس العالم عرضت القناة الفرنسية الناطقة بالعربية فيلماً عن اوضاع العمالة المقيمة في دولة قطر، الفيلم لم يكن مدحاً أو إعجاباً بقطر لاستضافتها مباريات كأس العالم، وما تكبدته الدولة القطرية من معاناة، لكنه يعرض اوضاع العمالة الاجنبية هناك، ولا يهم لماذا انتظرت القناة الفرنسية حتى انتهاء المونديال لعرض الفيلم ولكن المهم انها اظهرت صورة اخرى، لم تكن ترغب قطر بمشاهدتها، فالقناة استمرأت النفاق والدجل، فهي دأبت على مدح قطر طوال ايام المباريات و بعدها اظهرت وجهها القبيح.
الكويت منذ نشأتها تستقبل هجرات من بلدان العالم، وبدأت ذروة الهجرات مع نشأة الدولة الحديثة واكتشاف البترول، وقطعاً هذه الهجرات البشرية لم تشكل قضية سكانية أو امنية، او معيشية او صحية، فالمواطنون الاصليون قليلون والخير وايد، لذلك كانت المستشفيات تعامل الوافد معاملة المواطن، الادوية بلاش والعلاج بلاش والاقامة في المستشفى بلاش، لكن الزمن تغير والوعي ازداد والمواطنون الذين كانوا في الخمسينات نحو 120 الفا او أقل، اصبحوا اليوم مليونا ونصف مليون والرقم في صعود، فيما ميزانية الدولة تناهز ميزانية ثلاث دول تفوق الكويت مساحة وسكاناً، هذا بخلاف تدني اسعار البترول، ناهيك عن المنافسة بين الدول المنتجة. خطيئة الكويت انها منذ اليوم الاول لتدفق الوافدين على ارضها كان عليها ان تحدد شروط الاقامة والعمل من النواحي الاجتماعية والصحية وغير ذلك، لكنها تركت الامور للظروف، لذلك كانت في وقتها الدولة الخليجية الاولى من حيث تدفق الوافدين اليها، أما اليوم لم يعد في وسعها تقديم خدمات اجتماعية كاملة ومجانية لمواطنيها، فما بالك بالوافدين؟ الكويت لن تستغني عن العمالة الوافدة الى ما بعد مئة سنة، لكن كان على الحكومة ان تدرك ان تدفقهم بلا ضوابط قانونية سيشكل ازمة مستقبلا، واولها ازمة الادوية والعلاج شبه المجاني، فكل الخليج استفادت من مشكلات الوافدين في الكويت من حيث الجنسيات والعمل وجودته، فيما الكويت، للاسف، كانت ولاتزال حقل تجارب للدول الشقيقة، ولهذا فإن مسألة وضع رسوم على الادوية هي الشرارة الاولى لأزمات مقبلة اذا لم تسارع الحكومة الى ان تطفئها قبل نشوبها.صحافي كويتي
[email protected]