سمو الرئيس… اقرأ ما تريده الصحافة وما تريدون منها

كتب ـ أحمد الجارالله:

يلتقي اليوم رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ الدكتور محمد صباح السالم رؤساء تحرير الصحف، وهو اجتماع تفاءل به الإعلام الكويتي الذي اعتاد مثله في العقود الماضية، غير أن آخر لقاء كان مع رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ صباح الخالد في حكومته الأولى، عندما عين رئيساً، وهو وعد، يومها، صناع الرأي أن يكون اللقاء شهرياً، إلا أن انشغاله بالعراك مع مجلس الأمة، وما نتج عنه من استقالة الحكومة، نسف هذا الوعد.
طوال العقود الستة الماضية، كانت الصحافة تضع أمام صانع القرار التنفيذي هموم وقضايا المواطنين، لاسيما في السنوات الأخيرة سواء في ما يتعلق بتنشيط الدورة الاقتصادية، أو زيادة الناتج الوطني، أو تحسين مستوى معيشة المواطن، أو حل قضية “البدون”، أو المفاسد التي ترتبت على انهيار التعليم، وطوفان الشهادات المزورة، وغيرها من ملفات واجبة الحل سريعاً.
لكن لم يكن هناك من يسمع، أو يناقش، لأن الوزراء إما كانوا يعملون على حماية أنفسهم من هجوم النواب عليهم عبرعقد صفقات معهم من “تحت الطاولة”، فيخضعون لهم، ويتشددون بمسائل ثانوية، كمنع الاختلاط المنافي لأبسط قواعد المنطق، أو ما يسمى الظواهر السلبية، أو التعيينات المخالفة للقانون.
كل هذا سجلته الصحافة، وسلطت الضوء عليه، كي تنبه إلى ما يجري في البلاد، لكن “عمك الوزاري أصمخ”، بل وصل إذعان الوزراء للنواب إلى حد أن سلموهم “الخيط والمخيط”، ولقد كان صاحب السمو الأمير في نطقه السامي الأول أمام مجلس الأمة الحالي واضحاً في هذا الشأن، حين شرح بالتفصيل كيف أدى الاتفاق بين السلطتين إلى دفع البلد الى مهاو لا أحد يتمناها، لأن سيف المحاسبة النيابية كان مصلتا على الوزراء الخائفين على مناصبهم وامتيازاتهم.
لهذا، رأينا في السنوات الماضية رؤساء وزراء، ووزراء، وموظفين كباراً يساقون إلى المحاكم لعبثهم بالمال العام، والتعيينات وغيرها من مخالفات واضحة للعيان، وعندما كانت تنشر الصحافة تلك المفاسد تلاحق بزعم نشر أخبار كاذبة، ولهذا وضعت أمامها ترسانة قمع للأصوات الحرة بقوانين أربعة، كلها تصب في منع الكشف عما يجري، سواء كان في الجهاز التنفيذي،أو فساد نيابي.
أيضا كان لوسائل التواصل الاجتماعي نصيبها الأكبر من تكميم للأفواه، وقد سيق إلى السجن عشرات المواطنين، بينما غيرهم هرب إلى الخارج، وبالمناسبة، هذه هي المرة الأولى التي تعيش فيها الكويت هذا الكم من حواجز منع كشف الحقيقة.
كل هذا أدى إلى تكييف الواقع الكويتي وفق رؤى متخلفة، وكأننا في دولة “طالبان”، كما أدى إلى إغلاق البلاد، وجعلها طاردة للاستثمار، ومحاربة المبادرة الفردية، والسطو على المال العام عبر مشاريع أثبتت التجربة أنها كانت للهبش أكثر منها لتطوير البنية التحتية.
من الثابت أن حرية الصحافة تكفل لصانع القرار اتخاذ قرارات صائبة، كما أنها ضرورة أساسية لتعزيز الشفافية والمساءلة في مجالات المجتمع كافَّة، لكن حين تكون محكومة بموازين مختلة تقوم على ستار حديدي لمنع رؤية ما يجري من ممارسات وزراء ونواب مخالفة للقانون عندها يشيع الفساد، وتصبح المؤسسات مزارع للمسؤولين الفاسدين، وهذا يعني زيادة ظلم المواطنين.
اليوم، يعتقد الكويتيون أنهم أمام رئيس مجلس وزراء مختلف، ولعله يدرك أن الصحافة هي المعين الأول له، وهي سلاحه الذي يقاتل عبره الفساد، وكما أنه يستطيع بالشفافية وضع الأمور في نصابها الصحيح، فلا تجور سلطة على أخرى.
لذلك، لا بد أن يعمل على تحرير الصحافة من الخناجر المسمومة التي تطعن فيها من خلال القوانين الأربعة المذكورة، كي يعيد إليها قوتها، لأنها صوت الناس.
حسنا أن يعيد سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ الدكتور محمد صباح السالم عادة الاجتماع برؤساء التحرير، وأن يكون اللقاء شهرياً، أو على فترات متقاربة، وأن يكون مكاشفة من دون محاذير، لكي يقال ما بالسر بالعلن، فالكويت بحاجة إلى تجديد شبابها، وهذا لا يكون إلا عبر حرية الصحافة والإعلام ككل.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى