مرة أخرى نتوجه إلى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد، بصفته المسؤول التنفيذي الأول في الدولة، لنقول له، أو بالأحرى لننقل إليه لسان حال غالبية الكويتيين.سمو الرئيس، إن التخبط والاستعراضات الإعلامية لا يعالجان أزمة، بل يفاقمانها، ويزيدانها تعقيدا، والحكومة التي تخضع لنائب أو نائبين ليست أهلا لإدارة بلد.أنا أتابع السياسة المحلية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، أي منذ اعترفت منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية، بالكويت دولة مستقلة، وتحولت الدوائر وزارات، وانتخب مجلس الأمة، ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، للأسف تترك الأمور تتفاعل إلى أن تحل الكارثة فتتحرك الحكومة.هذا الأمر حدث بعد انتخابات عام 1967، وكذلك في أزمة "سوق المناخ" التي تحولت كارثة اقتصادية ومالية، أما الكارثة الأكبر في تاريخ البلاد، وهي الغزو العراقي المشؤوم، الذي نستحضر هذه الأيام ذكراه السيئة، مثيرة فينا المواجع والآلام، فإن الحكومة، وقتذاك، لم تستبق الكارثة وتحصن البلاد، ولم تأخذ بالتحذيرات التي صدرت من أكثر من جهة عربية ودولية في هذا الشأن.في هذه القضية بالذات، لم تتعلم الكويت الدرس إلا بعد خراب البصرة، إذ بحجة أنها دولة مستقلة لم تعقد تحالفات مع قوى دولية كبرى، وتناست الحكومات المتعاقبة أننا دولة صغيرة، وحتى الدول الأكبر منا والأكثر قوة كانت لها تحالفات، فلو كانت الكويت وقعت اتفاقات تعاون عسكري مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لكانت وفرت على نفسها كارثة الغزو.على المنوال ذاته سارت الأمور بعد التحرير، حين تركت الملفات المتفجرة من دون أي معالجات حتى وصل الفساد إلى العظم، وبدأ يضرب غالبية مؤسسات الدولة، فاستشرى بعدما أصبحت الوزارات مرتعا للمصالح النيابية إلى درجة أن النائب بات يرى نفسه بمثابة المتحكم في هذه الوزارة وذاك القطاع، بل امتدت الأيدي الانتهازية إلى أهم مرفق في البلاد وهو النفط، مصدر الدخل الوحيد للكويت.أما التجارة الحرام التي وصلت إلى كل بيت، أعني الاتجار بالإقامات، فقد ضربت سمعة الكويتيين في العالم، وبدلا من معالجة الأمر في بدايته انبرى بعض المسؤولين يدافع عن هؤلاء المجرمين، فيما المؤسسات الدولية استمرت بالتحذير، وحين انفجرت هذه القنبلة الموقوتة، بدأ البحث عن أكباش فداء، وليس عن الرؤوس الكبيرة التي ترى نفسها فوق المحاسبة.سمو الرئيس، أين التفت ترَ فساداً، تخبطاً في القرارات، وكأنَّ الإدارة ملعب للجهال وليس إدارة بلد، ولنا في أزمة فيروس "كورونا" مثال، إذ علينا ألا نأخذ بما يحاول البعض تسويقه عن صواب المعالجات، بل لا بد من رؤية الواقع السيئ كما هو، سواء أكان في المستشفيات الميدانية، أم القطاع الصحي عموما، وفي صفقات استيراد الأدوية، وذلك التلاعب بالأموال المخصصة لذلك، إذ بدلا من التوظيف الصحيح لها ها هي الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي تنشر يوميا شبهات في هذا الشأن، بينما باتت أروقة القضاء تزدحم بالقضايا، فيما لا تزال الحال على ما هي عليه كأننا ندور في حلقة مفرغة.هل يعقل، يا سمو الرئيس، أن يقرر نائبان سياسة الدولة الخارجية، وعلاقاتها مع بقية الدول، فهذا شأن ستراتيجي، لا يخضع لأي حسابات انتخابية، ولا يقارب بقصر نظر، فكيف يتخذ قرار بمنع رعايا 31 دولة من دخول البلاد فجأة، وينفذ فورا، وتكون الطائرات في الأجواء الكويتية، أو على أرض المطار ويمنع الناس من دخول البلاد، بخلاف قرار سابق لم يجف حبره؟
صحيح أن حماية أرواح الناس مطلب وطني، لكن ثمة طرق لاتخاذ هذا النوع من القرارات، تبدأ من الطيران المدني ومخاطبة الدول المعنية، وليس العمل بمبدأ خذوه فغلوه، وكأن الكويت جزيرة مريخية، وليست لها علاقات دولية، والطامة الكبرى حين تسأل الجهات المعنية عن هذا التخبط فإما أن يحال السائل إلى وزارة الصحة، وإما أن يجاب بأن ذلك استجابة لتعليمات منظمة الصحة العالمية.هل من أحد في هذا العالم يصدق أن المنظمة الدولية تخص الكويت بتعليمات محددة، بينما هي مثلا لا تلزم اليابان أو الاتحاد الأوروبي، والصين وماليزيا والهند، هل أنتم في مجلس الوزراء تصدقون ذلك يا سمو الرئيس؟ثمة كثير من الدول اتخذت إجراءات أفضل من الكويت بعشرات المرات، فلماذا لا نتعلم منها، كالأردن مثلا، والإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية، وغيرها... وغيرها؟في هذه الأزمة مر الكثير من الفرص التي لم تجر الاستفادة منها، اقتصاديا وماليا، وضيعنا فرصا ثمينة جدا لتحسين التصنيف الائتماني، وزيادة الاستثمارات، والسبب هو التعلل بحجج واهية، كأن يقول لنا أحدهم إن هذا الأمر متروك لمجلس الأمة، فيما لديكم في مجلس الوزراء صلاحيات عدة، أهمها مراسيم الضرورة، ولا شك أنكم تعلمون يا سمو الرئيس أن رئيس الدولة هو أبو الدستور، ولديه صلاحيات كثيرة ينفذها من خلالكم، بما فيها تعطيل المجلس موقتا، كما فعل الكثير من الدول الديمقراطية، في الأزمات.للأسف، إن الحكومة تركت الحبل على غارب التكهن والخوف، وكأنها تستعد لخوض الانتخابات، وتخاف خسارة مقعدها النيابي، فيما علة وجودها تحمُّل المسؤولية كاملة بوصفها السلطة التنفيذية وليس مجلس الأمة أو النواب، الذين يستفيدون منها، وعند أول مناسبة يرمونها بسهام النقد، ويغسلون أيديهم بدمها.لقد بات واضحاً للكويتيين كافة أن حكومة اللا قرار والإجراءات خالية الدسم أو منتهية الصلاحية، تبذر بذور فشلها بيدها، وتضرب بالآمال التي عُلِّقت عليها عرض الحائط ما يؤكد المثل السائر: من يزرع الريح يحصد العاصفة. وأنتم تزرعون الريح يا سمو الرئيس.
أحمد الجارالله