أحمد الجاراللهسمو ولي العهديُدرك العارفون وأهلُ الرأي مدى وجعك مما آل إليه بيتُ الحكم في السنوات الماضية، وتراجع قدرات بعض شخصياته، والتشاحن بينهم، وهو ما أدى إلى تغيير في نظرة الشعب إلى الأسرة الحاكمة.ولهذا يعلم الجميع كيف تتحدثون بألم في هذا الأمر، وبحثكم عن الوسيلة الفُضلى التي تعيد إلى بيت الحكم قوتَهُ، إضافة إلى ذلك سعيكم إلى تسليح شباب الأسرة بالعلم والقدرات القيادية.في كلِّ ممالك العالم، العربية والأوروبية، يجري إعداد المؤهلين من الأسر الحاكمة للقيادة حتى الجيل السابع؛ لأنَّ مبدأ استقرار الحكم الاستمرارية، لهذا هيَّأت الدول أسباب ابتعاد أبناء الأسر المالكة عن منافسة الرعايا في أمور شتى، أولها التجارة، والبيع والشراء، ومنذ سبعمئة عام قال عالم الاجتماعي العربي عبدالرحمن بن خلدون: "حين يعمل الحاكم بالتجارة يفسد الحكم وتفسد التجارة"؛ لأن لدى السلطان النفوذ الذي يحرم بقية المواطنين من المساواة في أعمالهم.استناداً إلى هذه الحقيقة أَبْعَدَتْ غالبية دول الخليج أبناء الأسر الحاكمة عن منافسة الرعايا في الأعمال، بأن أغدقت عليهم الأموال، وعملت على تأمين ما يؤهلهم لعدم مزاحمة الناس، والتفرغ لتطوير ذاتهم من أجل الحكم.سمو ولي العهدحين اعتنت بيوت الحكم في المنطقة والعالم بشبابها، إنما كانت تعمل على تأمين استقرارها ليس لسنوات، إنما لعقود، وربما قرون، فهي إن كانت قد عملت على إبعادهم عن منافسة الناس وتكريمهم، عملت في المقابل على محاسبتهم أشد الحساب على ما يرتكبونه، ولنا في إبعاد الملكة البريطانية، الراحلة، إليزابيث الثانية ابنها الأمير اندور، وحفيدها الأمير هاري عن المشهد العام، وتجريدهما من امتيازاتهما الملكية، ومنعهما تالياً من تولي أي منصب رسمي، بسبب أعمال مشينة ارتكباها.سمو ولي العهدخيرات الكويت كثيرة، ومداخيلها كبيرة، وشعبها يؤمن بأنَّ لا كويت من دون آل الصباح، ولا آل الصباح من دون الكويت، وهذه المتوالية الراسخة منذ 400 عام تفرض عدم زج أبناء الأسرة الحاكمة بأي منافسات وصراعات، وذلك لا يتأمن إلا بتيسير سبل الحياة الكريمة لأبنائها، إذ لا يمكن أن ينسجم البخل مع الولاء الذي يحتاج إلى ترفع عن المنافسة بالأعمال المشروعة، وعدم امتهان أعمال غير مشروعة، التي للأسف اتهم بها بعض أبناء الأسرة.الكويت، ومنذ اكتشف النفط، تحوَّلت ما يُشبه عين عذاري، تسقي البعيد فيما يعاني القريب الظمأ، فهي أغدقت على 105 دول، طوال عقود، عشرات المليارات، بينما يدها مقبوضة على أبناء الأسرة الحاكمة، الذين اضطروا لمنافسة الناس في أعمالهم، وهو ما أدى إلى ضعف هيبة الأسرة، فلماذا لا يُخصص من دخل النفط، ما يفي باحتياجات تطوير بيت الحكم؛ ليتفرغ أبناؤه إلى إعداد أنفسهم، علمياً وإدارياً وقيادياً، للمستقبل، وهو ما يزيد من عز وقوة الأسرة والبلاد كما هي الحال في دول أخرى؟أما إذا انعدمت الوسيلة لتحقيق ذلك فسلّموا الحكم للبخلاء، الذين يخافون صرف الأموال، ما يؤدي في النهاية إلى زيادة النقمة على الحكم، وغياب هيبة بيته.
[email protected]