السبت 18 أبريل 2026
26°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأولى

شعارات التحرير الوهمية سقطت... والإمارات صدمت المخدوعين

Time
الأحد 16 أغسطس 2020
السياسة
كتب - أحمد الجارالله:

من أغنية "طالعلك يا عدوي طالع، من كل بيت وحارة وشارع"، إلى " وين الملايين؟!"، لم يُقدِّم الفلسطينيون والعرب لفلسطين غير الأغاني والشعارات، آخذين ببيت شعر لأبي فراس الحمداني:
"وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا
لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ"
أما غير ذلك فكانت مقاومتُهم طوال سبعة عقود عبارة عن خسارات متكررة، وهزائم يندى لها الجبين، وبدلاً من تحرير الأرض كانت تصغر المساحة التي يقفون عليها، إلى أن وصلت لحدود القرى والمدن الفلسطينية التي لاتزال تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ثقافة التغرير والتدليس هذه تسبَّبت بكارثة الخراب العربي تحت شعار التحرير، فيما هم يعتمدون في كلِّ صغيرة وكبيرة على الخارج، حتى أولئك الذين يخرجون يومياً مطالبين بمقاطعة البضائع الغربية، يرتدون سراويل قطنها مصنوع في اليابان، وملابس، أكانت دشاديش أو بناطيل، قماشها مستورد من إيطاليا، والغتر والشماغات والقبعات مستوردة من بريطانيا، وساعاتهم من سويسرا، أما مكبرات الصوت التي يتحدثون من خلالها فهي مستوردة من اليابان، والجبن الذي يفطرون عليه من فرنسا، وبعضهم يتفاخر بـ"الكرواسان".
يستيقظ أحدُهم صباحاً ليستخدم هذه الأدوات، وتستقلُّه سيارة مصنوعة في ألمانيا أو الولايات المتحدة، ليذهب إلى قاعة كراسيها واردة من إسبانيا، وطاولاتها من تايوان، ليلقي محاضرة مطولة عن ضرورة "الضغط الاقتصادي على الغرب والولايات المتحدة الأميركية لوقوفها ضد الحق القومي العربي، والقضية الفلسطينية"، فيما هم لم يصنعوا حتى طلقة رصاص واحدة، بل يستوردون أسلحتهم من شتى بقاع العالم.
هذا الذي يتحدث بتلك اللغة إذا قاطع كلَّ ذلك سيسير في شوارع عاصمته عارياً، يمتطي بغلاً أو حماراً، ولن تتيسر له أي فرس، لأن الخيل أصبحت كلها في الغرب، حيث تستخدم للسباقات، وهو لا شك لن يجد غير الشعارات يدغدغ بها مشاعر الذين ظلمهم العرب، قبل أن تظلمهم إسرائيل، بل سهلوا لها السيطرة عليهم.
طوال سبعة عقود أطلق بعض القادة العرب شعارات كثيرة، بدءاً من جمال عبدالناصر الذي كان "سيرمي اليهود في البحر" لنكتشف في العام 1956 أنه سقط في مياه قناة السويس، التي أممها، مخالفاً بذلك اتفاقاً دولياً، يرتب حقوقاً على مصر، وهو ما دفع إلى تلك الحرب التي لم يُنقذه منها إلا الرئيس الأميركي أيزنهاور، فيما كانت تل أبيب تبني علاقات وطيدة مع المجتمع الدولي، وتتحدث عن سعيها إلى السلام الذي يرفضه العرب، وعندما قبل عبدالناصر مبادرة روجرز، قوبل من جماعة "لنا الصدر دون العالمين أو القبر" بالرفض والتخوين والتنديد.
في العام 1967، أخذته الحمية الشعاراتية إلى حرب، لم يستطع فيها أن يحرك طائراته من مرابضها، لأن إسرائيل دمرتها في ساعات قليلة واحتلت أراضي مصرية وسورية، والضفة الغربية وما تبقى من القدس، وبدلاً من التحرير رفع العرب من الخرطوم شعارهم الشهير "لا صلح لا تفاوض لا اعتراف"، وهو ما كانت إسرائيل تنتظره على أحر من الجمر كي تكرس سيطرتها على الأراضي المحتلة، وبسبب ذلك التبجح الكاذب ذهب العرب إلى القبر، بدلاً من النصر.
في العام 1973 أدرك الرئيس أنور السادات أنَّ استمرار الوضع على ما هو عليه يعني موت القضية الفلسطينية، والتسليم بالاحتلال الإسرائيلي لسيناء، ولم يكن أمامه إلا الحرب لتحريك الوضع والدفع إلى مفاوضات ذهب إليها منتصراً، وحشر إسرائيل في زاوية من خلال مبادرته للسلام، التي أعادت سيناء والأراضي المصرية المحتلة من دون أي طلقة رصاص، ودفعت بتل أبيب إلى التنازل عن الأراضي المحتلة، التي قال رئيس وزراء إسرائيل السابق ليفي أشكول: "سنضطر كل عشر سنوات لخوض حرب واحتلال أراضٍ جديدة كي يفاوضنا العرب عليها وينسون ما سبقها".
تقدير السادات كان رؤية تاريخية، وهذا الرئيس المظلوم عرف كيف يُحبط المخطط الإسرائيلي، لكن بدلاً من أن يقتنع العرب برؤيته تلك سارعوا إلى عزل مصر، ومقاطعتها، وأعلنوا قيام جبهة "صمود وتصد" ما كان منها إلا المزيد من التسويف، وتضييع الحقوق الفلسطينية التي تحوَّلت فيما بعد مجرد رسائل بين المتخاصمين العرب.
مرات عدة أعلنت المملكة العربية السعودية مبادرات واقعية للسلام مستنبطة من حركة الأحداث، والضعف العربي، وعدم وجود إرادة حقيقية للمضي في عملية بناء القوة التي تحتاجها أي أمة للحفاظ على حقوقها، وآخرها كانت في العام 2002 في قمة بيروت، لكن بدلاً من ذلك سعت القوى المستفيدة من بقاء القضية الفلسطينية دجاجة تبيض ذهباً لها إلى إجهاض المبادرات، وشنت حملات مسعورة على المملكة، إلى درجة إخراجها من العروبة.
لاحقاً بدأ الجميع يكتشف صوابية الرؤية الساداتية، والأرباح المحصلة من "كامب ديفيد"، ومن ثم اتفاق "وادي عربة"، وكيف خلخل ذلك المشروع التوسعي الإسرائيلي، وفرض على تل أبيب الاعتراف بحدود طبيعية، ما كانت ستعترف بها يوماً إذا استمرت حالة اللا حرب واللا سلم في المنطقة، في المقابل كان الفلسطينيون تاريخياً منقسمين على أنفسهم، فمنهم من أيّد هذه الدولة أو تلك، والبعض الآخر تعامل مع إسرائيل، وآخر لجأ إلى الحضن الإيراني، فيما لم يتمعن أي منهم بالحقيقة، وهي القبول بالأمر الواقع الذي كان متاحاً، بل إن جميعهم خدموا إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة.
ثمة حقيقة علينا الاعتراف بها كعرب، وهي أن السلام ضد إسرائيل على المدى البعيد، فلا الجغرافيا تخدمها، ولا الديموغرافيا كذلك، إذ كيف لثمانية ملايين يهودي أن يسيطروا على 400 مليون عربي، وأيضاً استمرار الاحتراب الفلسطيني- الفلسطيني، والقتال بإمرة إيران وغيرها من الدول التي توظف تلك القضية لمصالحها الخاصة، سيؤدي إلى زوال آخر أمل لـ13 مليون فلسطيني في الحصول على دولة أو حكم ذاتي، لا أن يبقوا يتوزعون على الشتات في العالم، ويُستخدمون وقوداً لحروب الآخرين.
هذه الحقيقة أدركتها دولة الإمارات العربية المتحدة، ورأت أن المزيد من السلام مع إسرائيل يمنعها من الاستمرار في ضم وتهويد ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، بينما القدس متاحة للجميع، والأقصى لن يكون تحت سيطرة يهودية، وأن هذا الاتفاق التاريخي هو ما طلبه وعمل من أجله العقلاء العرب، ولذلك سارعت غالبية الدول العربية، ولا سيما الخليجية إلى تأييد هذا الاتفاق ودعمه.
اليوم لا بدَّ من توجيه الشكر إلى قادة الإمارات الشجعان، الذين فتحوا ثغرة كبيرة في جدار المراوحة العربية، أما جماعة "لنا الصدر"، و"طالعلك يا عدوي طالع"، و"وين الملايين؟!"، فهؤلاء يعيشون في غيبوبة، بل في غباء تاريخيّ ولا يرون كيف يتغيَّر العالم.
آخر الأخبار