شيخ محمد… اقرأ هذه الأسطر
Add as Preferred Source on Googleأحمد الجارالله
عندما تكون رواتب القطاع العام 14 مليار دينار، وهي قابلة للزيادة الدائمة، والإنفاق الاستثماري ملياران سنوياً، وحين نستورد كل شيء، بدءا من الإبرة والمحارم الورقية حتى السيارات والمعدات الثقيلة، ولما يكون الأمن الغذائي معتمداً على الخارج، من البقدونس حتى المعلبات، فهذا يعني أن اقتصادنا اتكالي، ونفتقد الحصانة لمقاومة المتغيرات التي تحصل عالمياً.
منذ العام 1956 بدأت الحرب على النفط، ولهذا فإن بعض الدول الخليجية، وبعد حرب العام 1973، أدركت هذه الحقيقة، فعملت على بناء ستراتيجية الاعتماد على الذات، ولو بالحدود التي تؤمن لها الاكتفاء، وترسخت هذه القناعة مع الحرب العراقية- الإيرانية التي مثلت نموذجاً خليجياً للحد من الاعتماد على الخارج، فيما كان الغزو العراقي للكويت الدرس القاسي لها، لهذا أسرعت في عملية الاعتماد على القدرات المحلية.
أما الكويت، التي كانت من الواجب أن تغير وظيفة الدولة، فهي الى اليوم تعتمد على النفط في دخلها الستراتيجي، ولم تفكر دوائر القرار في بنية تحتية للأمن الغذائي، والصناعي، بينما اقتصرت المعالجات على قرارات ارتجالية، استناداً إلى أفكار التجار والمستوردين الذين عملوا على تنمية روح الاتكالية، ومحاربة المشاريع الإنتاجية، لأنهم يرونها منافسة لهم، وليست تكاملية اقتصادية.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، اتجهت دول الخليج إلى التخلي عن الاعتماد على النفط، وبدأت بتأسيس بنية صناعية وزراعية، مستغلة الصحاري الشاسعة، والوفرة المالية، لهذا أصبحت المملكة العربية السعودية قادرة على المنافسة، بل إن الكثير من السلع المصدرة إلى العالم العربي صناعة سعودية.
كذلك الإمارات، التي حين ارتفعت أسعار القمح، وتعرقلت سلاسل توريده، عملت إمارة الشارقة على زراعة مساحات كبيرة منه، وفيما كانت تستورد الشارقة وحدها 330 ألف طن قمح سنويا، فإن الموسم الماضي أنتجت 1600 طن.
ومع التطور التكنولوجي لا تحتاج الزراعات إلى مساحات كبيرة، فهناك ما يسمى الزراعة العمودية، وحتى المصانع لم تعد بحاجة الى جيوش من العمالة، لكن ذلك يتطلب رؤية، وعدم التردد بالقرار، لا الاستماع إلى التجار وحدهم، لأن هؤلاء يكرسون الاقتصاد الاتكالي الذي حذرت منه كل الدراسات ومعاهد الأبحاث في العالم، فيما للأسف لا تزال الكويت تعتمد هذا النوع من الاقتصاد، وكأن الأفكار انعدمت، أو أن المسؤولين وضعوا نظارات سوداء تحجب رؤيتهم حقيقة ما تعانيه البلاد.
لهذا، حين كتبنا عن أن الكويت طاردة للاستثمار، فقد اعتمدنا على الحقائق والتقارير السنوية منذ العام 2009، وحذرنا من اقتصاد يستنزف نحو 65 في المئة من الثروة، وهو أيضا يزيد من العجز المالي السنوي.
هنا لا بد من الإشارة إلى أنه مهما كانت أسعار النفط مرتفعة، فإن المعالجات العقيمة مبنية على توزيع المنح وزيادة الرواتب من دون عائد إنتاجي، لأن النواب يحاولون تعزيز أرصدتهم الانتخابية عبر زيادة الريعية وتأمين رفاهية كاذبة للمواطن، فهذا أشبه بمن يشرب من البحر، كلما عب الماء ازداد عطشاً، وهذا لا يبني اقتصاداً حقيقياً.
لهذا كله، لا بد من تغيير الرؤية، وأن يكون للدولة هدف ومشروع للمستقبل، ولا شك أن الدكتور محمد صباح السالم، بوصفه خبيراً اقتصاديا، يدرك أن قوة الدولة تكون بالموارد المادية والمعنوية، والاعتماد على الذات، فالدول العظمى ليست بأدوارها، ولا بالمساحات وعدد السكان، إنما بالقدرة على التصدي للأزمات دون الاستعانة بموارد مستوردة من الخارج.