عالم ما بعد "طوفان الأقصى"
مع تكرار المجازر اليومية والإبادة التي تتكرس يوما بعد آخر في فلسطين المحتلة، سواء في غزة أو الضفة الغربية، والتي تشاهد بشكل يومي من الملايين في مختلف أرجاء المعمورة، فإن التعاطف الإنساني لدى البعض يتحول مدخلا للشك والتساؤل: هل كان من الضروري أن تفعل "حماس" ما فعلته في السابع من أكتوبر(تشرين الأول)؟
يحفز ويثير مثل هذا التساؤل الهجوم العكسي الذي تمارسه جوقة من المتصهينين العرب (وغير العرب) في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لهذا يجب دوما إعادة تأكيد أهمية الحدث، وضرورته رغم القلب الدامي على دماء الشهداء إخوتنا وأخواتنا في فلسطين.
وبعيدا عن الإستناد إلى الأخبار والمعلومات التي من السهل التشكيك بها خصوصا في زمن الحرب والإصرار الدولي (القطبي) على إبادة المدنيين في غزة، يجدر الأخذ بعين الاعتبار أن حجم الإبادة التي يعبر عنها الصحافي الاستقصائي الأميركي سيمور هيرش إن "إسرائيل تعتزم تحويل مدينة غزة إلى هيروشيما، مع الفارق أنها لن تستخدم الأسلحة النووية"، والتي يقدر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن كمية المتفجرات الملقاة على القطاع تجاوزت 25 ألف طن، أي ما يعادل نحو 70 طناً لكل كيلومتر مربع، فإن حجم الإبادة هذه هي من أركان إعادة بعث القضية الفلسطينية.
"طوفان الأقصى" والإبادة أزاحا الستار عن الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني النازي المحتل، ليس أخلاقيا فقط، إنما حتى على صعيد المخططات والنوايا الإسرائيلية التي كانت تسير ببطء وبعيدا عن الإعلام.
فمسألة التهجير مطروحة في إعلام الكيان المحتل منذ سنوات، وهي ليست جديدة، لكنها كانت في إطار الإستيطان كأمر واقع مع مسار التطبيع مع بعض الدول العربية، فسياق الإستيطان في الضفة الغربية لم ينقطع يوما، ومسار التطبيع كان كفيلا بإيجاد حلول لإعادة توطين سكان غزة، وهو أمر ليس سرا لمن يتابع التقارير الغربية والصحافة الإسرائيلية، لكنه اليوم انفضح للعالم كله ببركة دماء الشهداء.
كما أن السردية الإعلامية، الغربية والعربية المتصهينة، التي كانت تغرس بالمخيلة العربية (والغربية على السواء) شعار ديمقراطية الكيان الاسرائيلي، وأنه دولة قانون ومستقبلها بين الدول المتقدمة، بجيش لا يقهر انفضح وتحطمت هذه الرؤية، وأقبل الناس على القراءة والتعمق أكبر في خرافيات هذا الكيان.
وبعد أن تضع الحرب أوزارها، ستخرج العديد من الكتب والدراسات التي ستوثق هذه الأكاذيب التي نسجت حول هذا الكيان الصهيوني. وهكذا الأمر بالنسبة لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الغرب واوروبا التي صدعونا بها ليل نهار، وهي ليست إلا أوراق ضغط على دول ومنظمات من أجل تمرير مصالحها في المنطقة.
من الأمور المهمة التي كشفها "طوفان الأقصى" والدماء المباركة في مجازر غزة، أن هناك خللا في النظام الدولي القائم، فلا يمكن أن يستمر العالم بقطبية أحادية، ولا حتى قطبيتين (كما كانت في الحرب الباردة)، تحدد أو تحددان من يموت ويباد رغم مظلوميته، ومن يحيى ويعزز رغم ظلمه واحتلاله، وخطوة جنوب أفريقيا بشكوى الابادة الجماعية ضد الكيان الاسرائيلي في محكمة العدل الدولية تؤسس لهذه المرحلة بلا شك.
على الصعيد السوسيولوجي بات واضحا أن الإعلام التقليدي لم يعد عاملا مؤثرا على المجتمعات الرقمية الناشئة أو ما يسمى مجتمع" Z"، فالإبادة في غزة بينت وأوضحت مشهد التفاعل الشعبي العالمي عبر أدوات التواصل الإجتماعي، التي كان يراد منها أن تكون أدوات للغرب في تغيير الشعوب (وإفسادها)، لكنها مارست هذه الأدوات أدوارا معاكسة في فضح مؤسسيها، لهذا نجد استنفار شركات مثل "ميتا" في ممارسة الحجب والإقصاء، تماما كدول الاستبداد والديكتاتورية، بعبارة أخرى أضحى تفاعل الشعوب والمجتمعات دون وسيط.
كما أن "طوفان الأقصى" أسقط الكثير من الأقنعة دينيا كان أم سياسيا، سواء لأفراد أو جماعات، أو حتى للمفاهيم والمصطلحات (كمصطلح السلام)، وألغى أيضا أي مناطق رمادية في أي صراع في هذا العالم، وميز لا أقل في عالمنا العربي أن هناك محورين فقط لا ثالث لهما.
لعالم ما بعد طوفان الأقصى ارتدادات متعددة الأبعاد خصوصا للمجتمعات الغربية، وما كان يستهزأ به في عالمنا العربي فيما يسمى نظرية المؤامرة، أصبح الحديث عنها في الشارع الغربي علنيا ويوميا.
كاتب كويتي
أحمد غلوم بن علي