قصص الأنبياءإعداد - نسرين قاسم(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)عاش عمران وزوجته يوحدان الله تعالى، وعندما بُشرا بابنتهما مريم نذروها لعبادة الله وحده، وما لبث ان ماتا وهي في مقتبل العمر لتعاني اليتم والفاقة وغياب السند، فقيض الله لها زكريا وهو أحد اوليائه الصالحين فكفلها وعلمها مبادئ دين الأجداد الذي انحرف عنه اليهود، وساعدها على التقرب إلى الله وفق منهج موسى وهارون، وأسكنها دارا بعيدا عن العمران تتعبد فيها وتذكر الله.
أرسل الله تعالى لها جبريل عليه السلام متجسدا في صورة إنسان، ففزعت منه مريم وخافت خوفا شديدا، لكنه طمأنها وبشرها بغلام، فتعجبت من قوله المخالف لطبيعة الكون، اذ لم يسبق لها معاشرة انسان، لكنها لم تتلق تفسيرا، فسلّمت بأمر الله.كانت ولادة "عيسى" يسيرة على أمه مريم، لكنها كانت خائفة من قومها، ويصف الذكر الحكيم مشاعرها المضطربة ويصور حالتها بشكل بلاغي محكم فيقول:"فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا". لقد كانت تدرك المأزق الذي وجدت فيه نفسها، وعلمت ان القوم سوف يسيئون اليها، ويرمونها بالاتهامات الباطلة، فكانت المعجزة التي اعادت اليها السكينة والثقة وأخرست ألسنة يهود الناصرة ولو الى حين: "فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا". هنا تغيرت مدركاتها، وباتت على يقين ان الامر كله جاء على غير مألوف البشر، ورغم ان البيئة آنذاك كانت مهيأة لقبول الخوارق، إلا انها لم تشهد من قبل رضيعا يتكلم بلسان فصيح وصوت واضح وأفكار مرتبة تستخدم مفردات اللغة الشائعة التي يتحدث بها اليهود في المدينة. حملت السيدة مريم وليدها وذهبت إلى قومها تبلغهم بما حدث معها فصرخوا في وجهها وتعجبوا من قولها، وعندما شعرت بعجزها امامهم أشارت إلى الرضيع الذى تحدث في مهده وأخبرهم أنه رسول الله إليهم، فصعق شيوخ اليهود ولاذ بعضهم بالفرار: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتي وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا".عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل واسمه هو النطق العربي للاسم الذي اطلقه عليه الرومان "يسوع "، وله الكثير من المعجزات التي خصها الله تعالى بها، فهو الوحيد بعد ادم المخلوق دون أب، وهو الوحيد الذي اتاه الوحي رضيعا، وهو الوحيد الذي رُفع حيا الي السماء ولا يزال محتفظا بصورته الادمية حتى اليوم، ورغم ذلك فقد كذبه اليهود فأخبرهم أن الله خصه بقدرات خارقة كدليل إضافي على نبوته، كأن يصنع طيرا من الطين وينفخ فيه فيطير، وأن يحيي الموتى ليسألهم عن أشياء حدثت فى حياتهم وان يعالج المصابين بالأمراض المستعصية، ويطعم المئات حتى الشبع من وعاء صغير.آمن به قليل من بنى إسرائيل وسخر غالبيتهم من معجزاته وعندما شعروا بخطورة دعوته على نفوذهم، دسوا اليه لدى الوالي الروماني، فأمر بصلبه أمام أعين الناس، لكن الله رفعه إليه بجسده وروحه " وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ "، ليظل رمزا للحب والسلام، ودليل بنطق بقسوة اليهود ومظالمهم.