أحمد الجاراللهقال تعالى في كتابه العزيز: "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين"، محدداً في ذلك الصفة الأهم لدى القائد الساعي إلى نهضة بلده، لأنه إذا استعان بمستشارين غير أكفاء، ولا يتمتعون بالأمانة يصبحون عبئاً على الحاكم والدولة، ولهذا فإن كل القادة الذين تسلموا دولاً خربة واستطاعوا النهوض بها، استعانوا بالقوي الأمين المبادر والمخلص للدولة قبل الحاكم، منطلقين من قناعة أن من لا يحافظ على مصالح الأمة ليس أهلاً للمحافظة على القائد.حين بدأ ماوتسي تونغ مسيرته لتحرير الصين اعتمد على قادة مخلصين للبلاد وليس له، ولهذا استطاع توحيدها وتأسيس أكبر قاعدة صناعية في العالم، ليأتي رؤساء بعده ويستكملون المسيرة، ولم يسمح بأي فساد مهما كان صغيراً، لإدراكه أنه مثل العدوى ينتقل من شخص إلى آخر حتى يصبح جائحة تهدم كل شيء.وعلى هذا الأساس، انطلق رئيس وزراء سنغافورة السابق لي كون يو في بناء دولة حديثة وقوية، معتمداً على قناعة أن "تنظيف الفساد مثل تنظيف السلم يبدأ من الأعلى إلى الأسفل".هذه الأمثلة ضرورة ملحة لكل مسؤول في الكويت كي يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، والأمانة الواجب تأديتها للخروج من زمن التخبط الذي تعيشه البلاد، واجتثاث الفساد المتفشي في غالبية مؤسساتها، الذي كثر الحديث عنه لكن دون جدوى، فيما يعتقد هؤلاء أن مجرد رفعهم شعار مكافحته ينبغي على المواطن أن يهلّل لهم إثر كل معزوفة في هذا الشأن، فيما الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، فالفاسدون لا يزالون في مواقعهم، وأضعف الإيمان أن أصابعهم تلعب على أوتاره في المواقع السياسية والإدارية والأمنية، لذا لا تزال المشاريع تلزم بأضعاف تكاليفها الحقيقية، أكان في عقود التسليح أو البنى التحتية، وحتى بالمكافآت التي تمنح للموظفين.
شراء الذمم في الكويت هو السبب الأساسي في كل ما تعانيه البلاد، إلى حد يتصور المرء أننا لا نزال نعيش في عصر المافيات الأميركية بعشرينات القرن الماضي، ولم ندخل القرن الواحد والعشرين بدولة كان من المفترض أن تكون قد قطعت أشواطاً كبيرة في التنمية والتطور، إلا أنها وللأسف سقطت في براثن الفاسدين لأنه لم يكن هناك من يوقفهم عند حدهم.قبل سنوات حين بدأ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبتوجيهات من والده الملك سلمان حملته على الفساد، لم يراع أميراً أو ابن عم، أو مقرب، بل أعلنها صريحة واضحة أن ميزانيات الدولة ومنذ العام 1980 وحتى وقت قريب كان نحو عشرة في المئة منها يذهب إلى الفاسدين عبر مضاعفة قيمة المشاريع، ولهذا جرى استدعاء جميع هؤلاء ومحاسبتهم، وقد استعادت الدولة مئات المليارات بين أصول نقدية وعينية.في الإمارات، ومنذ اللحظة الأولى التي اكتشفت فيها محاولة مس بالمال العام بادرت القيادة إلى إجراءات حازمة في هذا الشأن، وباتت كل المشاريع بإشراف مباشر من رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، أو نائب رئيس الدولة الشيخ محمد بن راشد، وشيوخ الإمارات الأخرى.الكويت بحاجة إلى هذا النوع من العلاج الجذري لآفة تكاد تُفقد الدولة كل مناعة، وأن تكون على غرار رئيسة وزراء سنغافورة حليمة يعقوب التي كانت تبدأ يومها من بعد صلاة الفجر، لذا قيل عنها رغم أنها ترتدي الفساتين الملونة إلا أن عملها أبيض، وليس كما هو حاصل لدينا حيث رئيس وزراء ثوبه أبيض لكن أعماله باهتة الألوان.
[email protected]