الثلاثاء 10 مارس 2026
20°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
فلسطين: الإبادة وخرافة قيم الغرب
play icon
كل الآراء

فلسطين: الإبادة وخرافة قيم الغرب

Time
الثلاثاء 24 أكتوبر 2023
sulieman

طفل لا يتجاوز اثني عشر ربيعا بلباس ممزق، ووجه شاحب غطاه التراب الأبيض، مع بعض بقع الدم على وجهه وبدنه، تراه يبحث لساعات بين أنقاض منزله، وينادي باسم أخيه الصغير، في محاولة يائسة منه لإنقاذ أخيه كي لا يكبر ويترعرع وحيدا بعدما تيقن بفقد أمه وأبيه تحت الأنقاض نفسه. طفل آخر يحاول عاجزا تلقين أخيه التوءم الشهادتين مع يقينه أنه لم يعد يسمعه، وقبل أن يكمل يعلو صوتا من وراء هذا الطفل لأب أربعيني يحمل كيسين بلاستيكيين، أحدهم أزرق والآخر يغلب عليه لون الزهر أو الأحمر، لكن لم يفهم أحد ممن كان في المستشفى ما يحاول أن يقوله هذا الأب من شدة بكائه، وانهياره، حتى يشرح المسعف من ورائه أن هذين الكيسين لطفليه الرضيعين اللذين انتظر إنجابهما سنوات.
كلما حاول أمثالي أن يحكموا العقل في الكتابة، خرج القلم عن مساره من هول الإبادة الجماعية.
يضاف الى ذلك شعور ممزوج بالغضب من هول النفاق الغربي والأوروبي، ووكلائهم في قلب الحقائق، وإبراز وحشية المقاومة و"بروباغندا" إعلامية مرافقة بمنع الرواية، العربية والفلسطينية، والاقتصار على أحادية الرواية، تماما كما هي أحادية القطبية في النظام الدولي.
يعاد المشهد كل عدد من السنوات، وحتى لا نعود إلى نكبة 1948، نقتصر فقط على السنوات الأخيرة، عملية "الرصاص المصبوب" عام 2008، استشهد فيها 926 مدنيا، 437 طفلا و111 امرأة، وفي عام 2012، كانت عملية "عمود السحاب" واستشهد فيها 174 فلسطينياً، منهم 107 مدنييين، وفي عملية الجرف الصامد 2014 كان عدد الشهداء 2174، منهم 1743 مدنيا و530 طفلا، و302 امرأة و64 غير معروفين بسبب تناثر الأعضاء، ثم كانت عملية "حارس الأسوار" في عام 2021، حيث استشهد 254، بينهم 39 امرأة، و27 عجوزا، و66 بين رضيع وطفل.
يقتصر ما سبق على الحروب دون الشهداء، الذين تسرد أسماؤهم يوميا في نشرات الأخبار، وكأنها لائحة شرف لطلاب جامعة أو مدرسة.
ثم تأتي بعد ذلك دول الغرب وأوروبا ليس لتساوي بين الضحية الأعزل المحاصر في كانتونات بلا سلاح ومال، واستقلال، وبين القاتل بسلاحه النووي، وأحدث التكنولوجيا العسكرية فقط، إنما لتلوم الضحية، ويهددوه في بقايا الطعام الذي يمده بها الـ"أونروا" ليبقيه على قيد الحياة فقط، وفي المقابل بلغت مساعدات أميركا لاسرائيل 158 مليار دولار.
وتأتي أيضا هذه الدول (المتقدمة والمتحضرة) لتحاضر حول القيم الإنسانية، وحقوق الإنسان، وتعقد الاتفاقيات الأممية، وتتغاضى عن القرارات الدولية التي ضربها كيان الإحتلال عرض الحائط، وعددها 19 قرارا، كقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين، وقرار 592 الذي يشجب فيه إطلاق النار على المدنيين، وقرار 694 الخاص بانتهاك الاحتلال لاتفاقيات جنيف، وقرار 2334 لوضع حد للإستيطان الإسرائيلي، ويبدو أنه لا قرار في الأفق حول مجازر إسرائيل اليوم في غزة، والسبب يعود لمسار التطبيع.
يعد البعض أن الغرب يمارس إزداوجية في القيم التي يدعيها، ويرجعها إلى الديمقراطية، مثلا صعود اليمين المتطرف في الغرب واوروبا، الداعم للاحتلال، هو العلة في هذه الإزدواجية.
هذا غير صحيح تماما، فهو كمن يقول إن حكومة نتانياهو والزمرة المتطرفة أدت إلى هذا المشهد، والواقع هو أن للغرب قيما نسبية تتمدد وتنكمش وفق الواقع والتفكير البراغماتي.
ففي أوكرانيا يتم التباكي على منع روسيا دخول المساعدات، أما في فلسطين غزة فالأمر مبرر، بل ويشارك الأوروبيون في وقف مساعدات الـ"اونروا" التي هرب طاقمها الأجنبي من غزة في الأيام الأولى من "طوفان الأقصى".
هذه النسبية في القيم الغربية تعطي الضوء الأخضر لتكميم أفواه الشعوب، ففي بريطانيا أقيل رسام الكاريكاتور في صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، ستيف بيل، بسبب رسمة تدعم فلسطين، وأعلنت كذلك شركة "ميتا" الأميركية مالكة منصتي "إنستاغرام" و"فيسبوك" وخدمة و"اتساب"، ازالة او إضافة علامة تميز المحتوى المقلق، لعشرات الاف من الـ"بوسات"، والصور والفيديو المؤيدة لفلسطين، تنفيذاً لتحذير الاتحاد الاوروبي.
وأصدرت شرطة باريس قراراً بمنع مسيرتين تضامنيتين مع الشعب الفلسطيني، وهكذا فعلت المجر وبريطانيا، وحظرت ألمانيا جماعة "صامدون" المؤيدة للفلسطينيين.
يحاول الغرب وأوروبا فصل القضية العربية لفلسطين عن القيم والمثل الإنسانية، إما عبر شيطنة القضية، أو مذهبتها، أو حتى أقلمتها، وذلك عبر جملة من إعلام عربي موجه، وجوقة من مؤسسات المجتمع المدني، كمراكز للدراسات الديمقراطية وغيرها، بل حتى بعض المؤسسات الإنسانية والخيرية، ونموذجها الدائم للتعايش الفلسطيني - الإسرائيلي هي السلطة الفلسطينية التي لها سيطرة، أمنيا وإداريا، على مساحة 5,802 كيلومتر مربع من أصل 27 ألف كيلومتر مربع، دون جيش أو اقتصاد مستقل، ومع ذلك يقتل الفلسطينيون فيها بشكل دائم على يد الاسرائيليين، أو القوى الأمنية الفلسطينية، التابعة للمندوب السامي.

كاتب كويتي

أحمد غلوم بن علي

آخر الأخبار