الخميس 13 يونيو 2024
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
في رحاب نسمات الثقافة ورياح الفكر
play icon
كل الآراء

في رحاب نسمات الثقافة ورياح الفكر

Time
الاحد 10 سبتمبر 2023
View
57
د.سعد عبدالله الجدعان

ثمار الفكر

العظيم غاندي قال: "إني أفتح جميع نوافذ بيتي كي تهب علي رياح جميع الثقافات، بشرط ألا تقتلعني من جذوري"، ولذلك كان يقرأ في جميع مجالات الفكر، وتمكن ببساطته المعهودة، وثقافته الثرية، من أن يخلص بلاده من وجود المستعمر.
أدخل بلاده إلى القرن العشرين، ليحولها من بلاد تصدر الأزمات إلى قاعدة إطلاق كوادر بشرية، هي الأولى في القارة الآسيوية في مجال البرمجة، وصناعة الدواء، وتحاول جاهدة أن تشارك في غزو الفضاء.
وشهدت الهند تطورات سريعة على مستوى الاستثمار في الإنسان، الذي وضع بلاده على سلم الانطلاق صوب المنظومة الدولية، وليصبح بلدا مؤثرا، يعترف له المجتمع الدولي بالريادة، بعد أن تمكنت البلاد من تفكيك العديد من الأزمات والمشكلات الفكرية، وعلى رأسها تعدد الأديان واللهجات والعرقيات، ولم يكن الوصول إلى هذه المحطة إلا عبر نشر قيم التسامح، وتقبل الأخر وعدم الانكفاء على إثارة النعرات والمشكلات القميئة، التي لا تؤدي إلى تضيع الوقت والجهد والمال، وتفتيت طاقات الأمة.
خطب ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الذي قادها إلى الانتصار في الحرب العالمية الثانية، أمام طلاب الجامعة قائلا: إن إنكلترا على استعداد أن تتخلي عن جميع مستعمراتها في الهند، ولا تتخلى عن أدب شكسبير، وهو يفاخر بقيمة بلاده في الإنتاج الفكري الذي قادها إلى أن تكون المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، والتي احتلت كل دول العالم.
فكيف تمكنوا من السيطرة على موارد الكرة الأرضية، وغرسوا العلم الإنكليزي في كل دولة من دول العالم، وفي جميع القارات، لقد وضع الرحالة، والجغرافيين، والمستكشفين، وعلماء الفلك، والرياضيات، وعلماء الطب، والمخترعين، بريطانيا في مقدمة العالم بما لديهم من أفكار، فالأفكار وحدها هي التي فتحت لهم كتاب الطبيعة، فقرأوا فيه جغرافية البلدان وثرواتها، وعاداتها، وثقافتها، ومن العراقيل في الوصول إليها، فذللوا الصعاب، ووصلوا إلى منابع الثروات التي كانت تصب في مصلحة ومجد بريطانيا.
ولقد وضعت ملكة إسبانيا تحت يد المستكشف العظيم كولومبس حفنة من الرجال الذين كانوا هم أنفسهم من أرباب السوابق والسجون، كي تتخلص من الحاح كولومبس عليها للقيام برحلته عبر المحيط.
لكنه كان متسلحا بالعلم والجغرافيا والخرائط التي مهدت له الطريق كي يكتشف القارة الأميركية الضخمة، ويغير من حركة التاريخ بصورة فذة.
والبرتغال استطاعت أن تحتل أنغولا في غرب القارة الأفريقية، وموزمبيق شرق القارة الأفريقية، لتكون مستودعات للبضائع في الطريق إلى القارة الهندية، ولم تتمكن البرتغال من الوصول إلى هذه البلدان إلا عبر رجالاتها الأفذاذ ماركو بولو، وفاسكو دا غاما، والذين مهدت مغامراتهم إلى اكتشاف رأس الرجاء الصالح.
ورغم أن الثقافة العربية قدمت الرحالة بن بطوطة، أحمد بن ماجد، والشريف الإدريسي وبن فضلان، إلا أن العرب لم يستمروا في محاولتهم المتقطعة، والتي قدمت للتراث العالمي، فضلا في الاكتشافات الجغرافية ما زالت حاضرة بقوة.
إننا في حاجة عارمة إلى أن نفتح نوافذنا، ومسام أفكارنا كي تتشرب من عصارة الفكر العالمي، وتهب علينا كل الثقافات الموجودة في هذا العالم، ولو نتحسس خطانا في اتجاه الفكر العالمي، فإنه سيأتي اليوم الذي تستطيع أن تثبت أقدامنا، ونحتل موقعا في الثقافة العالمية.
إن أهم منتج نحن مطالبون بإيجاده هو الفكر، والمعرفة، والثقافة لأنها هي الشيء الوحيد الذي يتبقى مع مرور الوقت، ولقد استمرت الدولة العباسية قرونا خمس، فما بقي منها إلا الإنتاج الفكري الذي قدمة علماء الدولة العباسية من رجال دين، وفلسفة، وأدب، وشتي المعارف والفنون، فنحن نعرف الجاحظ، والفارابي، والكندي، وأحمد بن حبل، وأبو حنيفة، وابن سينا، وكل من تركوا تراثا فكريا، ولا نكاد نعرف عن ثروات العباسيين وقصورهم التي خلفتها إلا عبر كتابات ألف ليلة وليلة، فالكتابة هي باكورة الحضارة، لأن التدوين هو بمثابة حفظ الأفكار، والتجارب، والثقافات والكتابة هي أداة توصيل النمط المعيشي الثقافي الذي كان عليه من سباقون، والأمم التي لم تكتب قد طواها النسيان، ووحدها الأمم التي كتبت هي التي استطاعت أن تصل إلينا بعد مرور الآلاف السنين.
وذلك لأن الكتابة تعتمد على خلاصة الفكر والمعرفة والثقافة التي تنبع من قراءة كتاب الطبيعة ومتغيراتها، فالأمة التي لا تكتب هي في واقع الحال أمة لا تقرأ.
كاتب كويتي
متخصص في القانون الدولي

د.سعد عبدالله الجدعان

[email protected]

آخر الأخبار