الأربعاء 13 مايو 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأخيرة   /   كل الآراء

قَصص إنسانية مؤثرة

Time
الخميس 30 ديسمبر 2021
السياسة
أحمد الدواس

كنت صغيراً لم أمر بتجارب الحياة، فقد نُقلت للعمل بالسفارة في الخرطوم سنة 1974، وعمري 24 سنة، ولم تكن هناك رحلات طيران مباشرة من الكويت، إنما عن طريق بيروت، فوصلت الى العاصمة اللبنانية ترانزيت، وأتذكر أنني هبطت فيها قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ولما وصلت الى الخرطوم في 31 أغسطس 1974، استقبلني زميل عمل على أرض المطار ثم دخلت مسكني.
صُدمت أن الكهرباء مقطوعة،بل تنقطع معظم ساعات النهار والليل، وبالطبع ينقطع وصول الماء الى المنازل لأن مولدات الحكومة الكهربائية لا تعمل، ولما تتوقف هذه المولدات لا يستطيع الناس تعبئة سياراتهم بالبنزين ولاقراءة الصحيفتين الرسميتين "الأيام" و"الصحافة"، عذاب ومشقة تلو أخرى.
ومن صعوبة الحياة أنك لا تجد رغيف الخبز معظم الوقت، ولا توجد محال سندويش، ولا سوبرماركت، وبالطبع لا مجمعات تجارية، كنا نتمنى أكل "النخي" أو "الباجلة" أو الفستق،لكن هيهات ان يتحقق هذا الحلم، وإذا أنت امتلكت اسطوانة غاز للطبخ فأنت تمتلك ثروة، ونحتفظ بالرز والمكسرات التي جلبناها معنا من الكويت، فنستهلك منها مقداراً ضئيلا ليبقى عندنا نحو ستة أشهر، وكان هناك دكان في منطقتنا السكنية حيث مقر السفارتين الكويتية والسعودية يبيع السردين والزيتون والجبن الأبيض، يتباهى أنه "سوبر ماركت"!
مكثت ستة أشهر مستعملا سيارات الأجرة، فسافرت الى الكويت عبر القاهرة، ولما وصلت جهزت سيارتي لرحلة طويلة عبر السعودية حتى أنقلها من جدة للخرطوم، فقطعت الطريق في ثلاثة أيام، ثم طرت للخرطوم ودخلت صباحا مكتب السفير، الذي تعجب فقال:"غدا يوم وقفة ثم عطلة عيد، لماذا لم تمكث العيد مع عائلتك"؟
قلت شاكراً:" لقد وعدك أسبوعا واحدا لجلب السيارة وهأنذا قد عدت".
لنا إجازة سنوية فأزور فيها الكويت، وأجد كل خير ونعمة، وقبل العودة أشتري صندوقا معدنيا أضع فيه ما أحتاجه من رز، وفستق، وبسكوت وقطعة غيار لسيارتي، وأشحنه بالطائرة، وكانت العطلة فقط يوم الجمعة، وقد نعمل فيه حيث نذهب للمطار لاستقبال الوفد الرسمي الكويتي الزائر على متن طائرة الخطوط الجوية الكويتية، التي اختارت ان تهبط الخرطوم يوم الجمعة! أي كأننا عملنا يومياً من دون عطلة تقريباً مدة ست سنوات.
لقد عشت تجربة قاسية، كنت في مسكني أقرأ على ضوء الشموع كتاب "الاقتصاد" للكاتب البارع سامولسن، ومجلة "نيوزويك" الأميركية رغم حرارة الطقس، فإذا ضاق بي الوضع ذهبت الى فندقٍ للقراءة، وهناك أجد نصف الفندق مضاء ونصفه الآخر في ظلام، مع مواصلة دراسة اللغة الفرنسية بالمعهد الفرنسي بين العصر والمغرب، وما خفف عنا معاناة الغربة طيبة أهل السودان، فشعرنا كأننا بين أهلنا، وكنا نستمع الى إذاعة الكويت بوضوح من راديو ماركة "زينيت"، والكويت تبعد عنا مسافة أكثر من ألفي كيلومتر، مع صعوبة الاتصال الهاتفي مع الأهل، ثم تحملنا مخاطر أمنية كوقوع محاولتي انقلاب ضد الرئيس السوداني جعفر النميري في عامي 1976 و1977، وخرجنا بأمان بفضل من الله، أما اتصالنا الرسمي مع الكويت فكان عبر جهاز اللاسلكي، وتدريجياً تأقلمت مع حياة البلد.
في وقت ما طلبت منا الحكومة إرسال مندوب عنها الى ميناء "بورسودان" للإشراف على وصول معونة كويتية لجهة ما، وأعتذرعن ذكرمضمونها لحساسية المهمة، فسافر الزميل مساعد الردهان، ثم سافرت أنا عند وصول المعونة الثانية، ووقعت على أوراق بخصوصها، ولما دعاني القبطان الانكليزي الى طاولة العشاء داخل السفينة، أبلغني باستلامه برقية تفيد بوفاة الشيخ صباح السالم، رحمه الله وطيب ثراه، وكان الخبر مساء يوم 31 ديسمبر 1977، أي مثل هذا اليوم قبل 44 عاما.
تجربة السودان ومشقة الحياة فيها علمتني الكثير، جعلتني أقول:" لو جرب الناس الحرمان لعرفوا معنى النعمة".
عرفت معنى الحرمان من الكهرباء والماء والطعام، عرفت أننا في الكويت بنعمة عظيمة بفضل الله، لكن بعضنا لا يشعر بها أو يكون معول هدم لبلده، كنا نقرأ الكتب، ونحترم من هم أكبر منا، كانت لدينا مشاعر راقية، فالإنسان كلما صقلته التجارب عبر السنين أصبح مرهف الفؤاد يحب الخير للناس.
كل عام وأنتم بخير.

[email protected]

آخر الأخبار