أحمد الجاراللهفي التاريخ الشعبي للمُجتمعات الكثير من العِبَر التي يُمكن أن تُشكِّل منهج عمل للناس، وحتى الحكام والدول، ومنها تلك الحكاية عن شيخ عالم كان يتمشى يوماً مع أحد تلاميذه بين الحقول، فشاهد التلميذ الغِرُّ حذاءً قديماً، فخمَّن أنه لرجل فقير يعمل في الحقل المجاور، ولأن الشمس شارفت على المغيب، لا بد أن يأتي الرجل بعد وقت قصير لانتعال الحذاء، فقال للشيخ: "ما رأيك يا شيخنا لو نمازح هذا العامل ونخفي الحذاء، وعندما يأتي لينتعله لا يجده، فنرى كيف سيكون تصرفه؟".أجابه العالم الجليل: "يجب ألا نُسلي أنفسنا بأحزان الآخرين، لكن أنت يا بني غني، ويمكنك جلب السعادة لنفسك ولذلك الفقير، إذا وضعت بعض الدراهم في حذائه وتختبئ كي تشاهد مدى تأثير ذلك عليه!".أعجب التلميذ بالاقتراح فوضع بعض القطع النقدية في فردتي الحذاء، واختبأ هو وشيخه خلف شجيرات في المكان؛ ليريا ردة فعل ذلك على العامل الفقير.بعد دقائق جاء رجلٌ رثُّ الثياب، كان أنهى عمله في المزرعة، وحين هَمَّ بانتعال الحذاء، وإذا به يتفاجأ بشيء ما داخله، وعندما أخرجه وجده نقوداً، وفعل الأمر نفسه بالفردة الأخرى، فوجد بعض النقود أيضاً!نظر ملياً إلى النقود وكرر النظر؛ ليتأكد أنه لا يحلم، ثم تلفت حوله بكل الاتجاهات فلم يجد أحداً! فوضع النقود في جيبه وخَرَّ على ركبتيه ناظراً إلى السماء باكياً، ثم قال بصوتٍ عالٍ يُناجي ربه: "أشكرك يا رب يا من علمت أن زوجتي مريضة، وأولادي جياع لا يجدون الخبز؛ فأنقذتني وأولادي من الهلاك".
تأثر التلميذُ الغنيُّ كثيراً، عندها قال الشيخ الجليل: "ألست الآن أكثر سعادة مما لو نفذت اقتراحك الأول وخبأت الحذاء؟". أجاب التلميذ: "لقد تعلمتُ درساً لن أنساه ما حييت، فالآن فهمت معنى كلمات لم أكن أفهمها في حياتي: عندما تعطي ستكون أكثر سعادةً من أن تأخذ".فقال الشيخ: "لتعلم يا بني أن العطاء أنواع، فالعفو عند المقدرة عطاء، والدعاء لأخيك بظهر الغيب عطاء، والتماس العذر له وصرف ظن السوء به عطاء، وأي عمل مجتمعي إنساني لوجه الله عطاء، والإخلاص للوطن والذود عنه عند المحن عطاء".ليت هذا الشيخ كان حاكماً يشعر بآلام شعبه، لا سيما في بعض العالم العربي، حيث بعضهم بات أنينُهُ مسموعاً، فيما آخرون يتألمون بصمت، بينما يمكن تخليصُهم من ذلك بمجرد العمل على رفع المعاناة عنهم عبر نقود قليلة في أحذيتهم المهترئة، وليس ذلك بالأمر الصعب، فهو عبارة عن تحريك الأموال المكنوزة، التي تتناقص قيمتها الشرائية مع الأيام، فيما تحريكها واكتمال دورتها يؤدي إلى إنعاش الاقتصاد، والتخفيف عن الناس، وتأمين فرص عمل.من المتعارف عليه أن الأموال كالدم في الشرايين، إذا حبست أدت إلى التجلط وضمور الأعضاء، وإذا تحرَّرت تحوَّلت مصدر ازدهار للشعوب والأوطان، كما أنَّ الإسلام حضَّ على عدم حبسها كي لا تتحوَّل نقمة على أصحابها، وقد قال الله، عز وجل في كتابه العزيز: "...وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ".لذا فإنَّ المال الذي يستهلك في المشاريع والإنماء، والتخفيف عن الناس، ورفع الأذى عن المحتاج، يُعزز الطمأنينة والاستقرار الاجتماعي، وقد رأينا إلى ماذا يؤدي البخل على الشعوب في المجتمعات، وكيف انهارت الدول حين أمسكت الدولة عن الإنفاق على الإنماء المستدام، كذلك الثورات التي قامت حين احتكر المُتنفذون وصناع القرار وعلية القوم كلَّ شيء لأنفسهم وحرموا شعوبهم، وللتاريخ فإن الدولة العباسية أسقطها البخل على الشعب ما جعلها لقمة سائغة لجيوش التتار.في هذا الشأن ثمَّة الكثير من العِبَر، أهمها ما رسخ في الذهن الإنساني عن زوجة الملك الفرنسي لويس السادس عشر، التي أججت عبارتها النزقة الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، حين استهجنت التظاهرات بسبب عدم وجود خبز فقالت: "دعهم يأكلون الكعك"، فأدت هذه الجملة إلى إلهاب الفرنسيين والثورة على الحكم، وإعدامها هي وزوجها الملك.