الأحد 08 مارس 2026
21°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأخيرة

نساء أسَّسْن جامعات

Time
الأربعاء 28 ديسمبر 2022
السياسة
محمد الفوزان

تعدُّ فاطمة بنت محمد الفهري من أشهر النساء المسلمات العربيات في التاريخ، فهي أول من أنشأت جامعة في التاريخ الإنساني، جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، وهي من أصول قرشية، وجدها هو فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان عقبة بن نافع الفهري.
ولدت فاطمة عام 800 ميلادية بمدينة القيروان التي كان يطلق عليها اسم إفريقيا، آنذاك، وانتقلت بعد فترة هي وأسرتها إلى مدينة فاس المغربية، والدها محمد بن عبدالله الفهري كان عالما مسلما ومن فقهاء المسلمين.
كان والد فاطمة رجلاً غنياً للغاية، ولديه ثروة طائلة، ولم يكن له أولاد سوى بنتين، هما فاطمة وأختها مريم، ربى محمد بن عبدالله الفهري ابنتيْه أحسن ما يكون، ولم يقصر في حقهما، وعندما وصلتا الى سن الزواج زوجهما، تزوجت فاطمة في فاس ولقبت بعد زواجها وإنجابها بأم البنين، وبعد مرور فترة من الزمن توفي والد فاطمة وترك لهما مالا كثيرا.
أرادت فاطمة وأختها أن تنشآ صدقة جارية على روح والدهما، فبحثتا ووجدتا أن جامع القرويين مساحته صغيرة، ولا يسع المصلين، فاشترت فاطمة الأرض الموجودة خلف المسجد ووسعته، وتم بناؤه على أفضل ما يكون، وصرفتا على البناء أموالا طائلة، وكانت أم البنين تصوم نفلا تقربا لله طوال فترة البناء إلى أن انتهتا من بناء مسجد القرويين في شهر رمضان عام 245 هجرية الموافق عام 859 ميلادية، وبلغت مساحة مسجد القرويين بعد توسعته نحو 1600 متر مربع.
وقد أمرت فاطمة الفهرية بحفر بئر في الأرض التي اشترتها، وأمرت باستخدام هذه البئر في سقي عمال البناء، واستخدام مائها أيضا في أعمال البناء نفسها، كما أمرت بحفر الأرض الجديدة واستخراج الرمال والصخور الصالحة للبناء من باطنها، وأشرفت بنفسها على بناء المسجد، فخرج لنا في صورة جميلة كأحسن ما يكون، وكل ما استخدم في بناء المسجد من ماء ورمال وصخور كان خارجا من باطن الأرض نفسها التي اشترتها.
كان جامع القرويين يتسم ببساطة الزخرفة والتزيين، ورغم عدم المغالاة في زخرفته إلا أنه كان على أحسن ما يكون في وقته، ولم تبخل عليه أم البنين بالمال لا في التوسعة ولا في التجديد والتزيين.
على الجانب الآخر اقتدت أم القاسم مريم بنت محمد الفهري بأختها فاطمة، وبنت جامع الأندلس في الفترة نفسها لبناء جامع القرويين، وكانت الأختان تتسمان بالزهد والورع لذا آثرتا انفاق أموالهما في بناء بيوت الله صدقة جارية على روح والدهما، من أن تنفقا الأموال في ملذات الحياة الفانية.
وفق ما ذكر في موسوعة "غينيس" تحول جامع القرويين أول جامعة في التاريخ الإنساني، ولقد بدأ تحول دور الجامع إلى جامعة نحو العام 877 ميلادية، أي قبل وفاة فاطمة الفهرية بعام كامل، فبدأ إلقاء دروس العلم في ساحات المسجد، وكان الطلاب يلتفون حول مشايخهم لتلقي العلم على أيديهم، لكن التاريخ الحقيقي لتحول جامع القرويين جامعة بداية من القرن الخامس الهجري الذي يقابله القرن الحادي عشر الميلادي، وذلك أثناء فترة حكم دولة المرابطين.
ثم اتسع دور الجامعة في القرن الرابع عشر الميلادي خلال فترة حكم الدولة المرينية، وكانت تدرس العديد من العلوم في جامعة القرويين، نذكر منها علم الفقة وعلم الفلك وعلم الرياضيات وعلوم الأدب، وعمل الحكام والأمراء على إنشاء مدرسة جديدة محيطة بجامعة القرويين من أجل توسعتها، ويذكر أن عدد تلك المدارس بلغ نحو عشرين مدرسة.
بعد انتهاء السيدة أم البنين الفهرية من بناء جامع القرويين بنحو تسعة عشر عامًا، انتقلت إلى جوار ربها، وذلك في عام 265 هجرية الموافق 878 ميلادية، تاركة وراءها أثرا خالدا يجعل الناس تتذكرها إلى يومنا هذا وتترحم عليها، فكان هذا الجامع الذي تحول فيما بعد جامعة من أشهر المعالم في تاريخ الإنسانية.

إمام وخطيب

[email protected]
آخر الأخبار