الخميس 13 أغسطس 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأخيرة

هنيئاً لك يا عمي تاج الكرامة

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 15 سبتمبر 2022
السياسة
محمد الفوزان

يقول أحدهم:
‏ذهبت إلى المسجد ذات يوم لأصلي العصر، فصليت خلف الإمام وعندما انتهت الصلاة ذهبت إلى ركن في المسجد لأردد أذكار المساء، ووضعت هاتفي أمامي وأخذت أقرأ منه، فوقعت عيني على طفل في عمر العشر سنوات، يدخل من باب المسجد ويلتفت يميناً ويساراً ثم جاء إلي وقال بصوت يرتعد... ‏هل جاء الشيخ؟
-أي شيخ؟
‏-الشيخ الذي يُحفظ الأطفال
‏لم أكن أعلم أن هناك معلما هنا، فهمست له وأنا أبتسم لأنتزع الخوف الذي يسكن وجهه: لا لم يأت بعد اجلس بجانبي؛ جلس الطفل، وفتح مصحفه وأخذ يقلب في صفحاته، فهممت لأقول له في أي سورة تحفظ يا فتى؟ ‏فقطع ذلك صوته الذي كان يرتعد من الخوف وهو يقول: يا عمي ، هل لك أن تقرئني مرة أو أكثر حتى أحفظ السورة جيداً، فوالدي يئس من قله تركيزي وضعف حيلتي ودائما يشتكي من ذلك حتى أصبحت أستحي أن أطلب منه أن يحفظني القرآن، وعندما أذهب إلى شيخي وأُخطئ في التلاوة يغضب مني ‏وأنا لا أجيد القراءة جيداً فبعض الكلمات تشق علي، ابتسمت للطفل وأخذت منه المصحف وهمست له: اقترب، وبدأت أرتل وهو يرتل خلفي، وبعد ربع ساعة طلبت منه أن يسمّع ذلك بمفرده فلم يستطع ‏تذكرت شيخي عندما قال لي ذات يوم:
‏إذا وجدت صعوبة في الحفظ فافهم الآيات أولا ثم حاول الحفظ ثانية؛ فحفظ الآيات بمثابة قفل لبابٍ ضخم يفصل بينك وبين الجنة حاول فتح هذا القفل بأي مفتاح على قدر استطاعتك وسيفتح الباب، ‏نظرت إلى الطفل ثانية وهو يضغط على إصبعه من الخجل فتبسمت وهمست له: دعك من الحفظ يا فتى.. هل تعرف ماذا تعني هذه الآيات وماذا يقصد بها الله؟
‏أخذت أفسر للفتى الآيات حتى انتهيت من ذلك، ورددت السورة مرتين وهو يردد خلفي، ثم طلبت منه أن يقولها بمفرده، ‏فقال بعض الآيات، وعندما يشق عليه قول آية أو لا يتذكرها يبتسم ويقول لي :
هل أخبرك بقصتها؟
‏وبعد محاولات عدة حفظ الطفل السورة، جاء الشيخ، فاستأذن الطفل مني ليذهب إليه، فقلت له يا فتى هل أخبرك بشيء تضعه نصب عينيك؟
قال: أجل
‏قلت: سيأتي يوم يقال لك يافلان هلم، فتذهب، فتسمع ضجيج حفظة القرآن، ويطلب منك أن ترتل، والله وملائكته سيستمعون إليك، ‏ألا تشتاق لترتل أمام الله ويقول لك رتل سورة كذا؟
‏ثم همست له بعبارات وددت لو قالها أحد لي منذُ الصغر:
‏أنت الآن تُعدّ وتُجهز لترتل أمام الله فلا تمل ولا تكل ولا تيأس ولا تشتكي من ضعف حيلتك، فكل عالم تارك للقرآن جاهل، ‏ستكبر وتكون حاملاً لكتاب الله، وستكون مميزاً في الدنيا، عندما تكون إماما للناس، احرص أن يرتعد صوتك خشوعاً أثناء تلاوتك للقرآن، ‏وستجد نفسك في الآخرة مميزاً ومُكرماً أمام السفرة الكرام البررة، وليكرمنَّ الله أهل القرآن، فالقرآن كلامه، وما أحب الله أحداً كحبه لأهل القرآن‏، هنيئا لك زهرة شبابك التي نشأت في ظل آيات الله، وقبلت رأسه ثم قلت له: الآن اذهب إلى شيخك ورتل وكأنك ترتل في ظل عرش الرحمن والله يستمع إليك، أنا أثق أنك تستطيع.
ذهب الطفل إلى شيخه، وكنت أراه كل يوم، وأحفظه في المسجد حتى يأتي شيخه، وبعد شهرين ودعته لأنني انتقلت إلى سكن آخر، ولم أره منذ ذلك اليوم، وعلمت بعدها أن شيخه أيضًا انتقل ليحفظ في مسجد آخر.
وبعد سبع سنوات خرجت من عملي، وركبت السيارة، فوقف السائق أمام مسجد لنصلي المغرب، دخلت المسجد، وذهبت لأصلي، فرأيت شابًا وجهه كقطعة من القمر يردد:
‏"سوُّوا صفوفكم، فإن تسويةَ الصفوفِ من إقامةِ الصلاة".
‏كانت ملامح الشاب ملامح أعرفها جيداً ، لكنني لا أتذكر أين رأيته، كان صوته كصوت الكروان ، ‏لو كنا خارج الصلاة لطلبتُ منه أن يكثر من التلاوة لأسمعه، فتلاوته كانت بمثابة بلسم على قلبي، فلما ‏انتهت الصلاة وجلست لأردد أذكار ما بعد الصلاة فإذا بالشاب يجلس أمامي ويقبل رأسي ويقول: أشهد لك يوم القيامة أمام الله أنك كنت سبب ما أنا عليه الآن.
‏فهممت لأقول له من أنت يا فتى؟ فقطع ذلك صوته الذي كان يبتسم من شدة الفرحة وهو يقول : ‏يا عمي، هل لك أن تقرئني مرة أو أكثر حتى أحفظ السورة جيداً، فوالدي يئس من قلة تركيزي وضعف حيلتي، وابتسم وعيناه تذرف الدمع، ثم قال: هل تذكرتني الآن! ثم قام واحتضنني.
‏وقال: لقد ختمت القرآن وأخذت الإجازة ، والآن أصبحت أنا المُحفّظ، هنيئاً لك يا عمي تاج الكرامة، عاملتني بحُب ، وجعلت القرآن أحب الأشياء إليّ من دون أن تشعر بذلك ، شكراً لأنك وثقت بي عندما اعتقد الجميع أنني لا أستطيع.

إمام وخطيب

[email protected]
آخر الأخبار