أحمد الجاراللهحين يكون القرارُ حازماً، واحترام القوانين والدساتير، ومعرفة كل واحد حدوده، عندها لا خوف من الصلاحيات لكلِّ سلطة، ولا تتجرأ واحدة على أخرى، لكن عندما يعمل المسؤول على إيكال الأمور إلى المستشارين والموظفين، وينأى بنفسه عن أداء واجباته تغرق المؤسسة في الفوضى؛ لأن كلَّ واحد من أولئك يسعى إلى سيطرته وقوته.ثمَّة الكثير من الدول حباها الله بقادة أدركوا منذ البدء أن مهمتهم إسعاد شعوبهم، إنما في الحزم، إلى حد أنهم أحياناً يتجاوزون القوانين والدساتير لخدمة مجتمعهم، ويتحملون مسؤولية قرارهم، ففي حين عصفت الأزمة ببريطانيا خلال جائحة "كورونا"، ورأت رئاسة الوزراء أن الأمر يحتاج إلى الشدة، وإلى إحقاق الحق حفاظاً على البلاد، لم تنتظر مجلس العموم واللوردات، إنما تحمَّلت مسؤولياتها، وحين بدأ تعثر البنوك الأميركية، تحرك فوراً الرئيس جو بايدن، بل قالت مسؤولة سابقة في الإدارة: "إن الرجل يستيقظ عند العاشرة صباحاً، لكن في الأزمة كان يعقد مؤتمرات صحافية عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً؛ لأنَّ البلاد في أزمة".المستغرب أن كل هذه الأمثلة وغيرها ليست في حساب المسؤولين لدينا، إلى درجة أن كل يوم هناك فضيحة رشوة واختلاسات، ولا يظهر منها إلا رأس جبل الجليد، وحين تصدر بعض الأحكام على المتهمين نكتشف أن الأرقام خيالية، مئات ملايين الدنانير؛ لأنه ليس لدينا رقابة صارمة، فيما إسرائيل إلى اليوم تعيش أزمة كبيرة جراء محاولة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو تحصين نفسه، ومنع المحاكمة عنه في تهمة تلقي هدايا بنحو ألفي دولار، وهو لا يزال يحاكم منذ نحو عشر سنوات، وهناك انقسام يهدد مصير إسرائيل، هذا الأمر سببه أن لكل كيل مكيالاً، وليس هناك محاباة لهذا الشخص أو ذاك.لن نذهب بعيداً، في السعودية عملت القيادة على محاسبة المسؤولين الفاسدين، وفي ذلك لم تراع أحداً، بل حوسب الأمراء قبل العامة، وأعيدت الأموال التي نهبوها طوال عقود، كذلك في الإمارات الأمر ذاته، وقبل أيام أمرت النيابة العامة القطرية بإحالة وزير المالية السابق وآخرين إلى محكمة الجنايات بتهم فساد، وأمرت بإعادة الأموال المنهوبة.
لكن ماذا عن الكويت؟صحيح أن هناك أحكاماً صدرت على بعض الفاسدين، لكن حين تكون الأمور انتقائية، ويغض الطرف عن فاسد ويحاسب آخر، وعندما يتحول السجن إلى منتجع سبع نجوم، ولا تعود الأموال المنهوبة، عندها الحرامي "سيبوق ولا يخاف"، لكن إذا كانت هناك محاسبة للكبير قبل الصغير، وقرار صارم باستعادة كل المليارات التي نُهبت طوال الثلاثة عقود الأخيرة لكانت الكويت أغنى بلاد العالم. ما جرى قبل أيام بسبب ساعة من الأمطار، كفيل بالدول التي تحترم شعوبها وقوانينها في وضع كل المسؤولين المعنيين في السجن، ومحاسبة جميع المقاولين طوال العشرين سنة الماضية، الذين عملوا على رصف الطرق، وتسببوا بتلف البنية التحتية، بل يزج برؤساء الوزراء والوزراء والوكلاء، وحتى أدنى موظف مسؤول عن هذه الكارثة التي تتكرر سنوياً، لكن عندنا للأسف لا أحد لا يُحرك ساكناً.كلُّ هذا بسبب عدم التحديد الواضح للمسؤوليات، وغياب القرار، فيما هناك بيت حكم يجب أن يُمارس دوره، وتكون لديه عصا قرار تتحول حية تسعى تلتهم سحرة الفساد، وتنظف الدولة من سموم الحرمنة والواسطة والمُحاباة؛ كي لا نُصبح في يوم ما مثل التاجر المُفلس الذي يبحث في الدفاتر القديمة عندما تصبح جيوبُهُ خاوية، فحينها لا ينفع البكاء على اللبن المسكوب.
[email protected]