30 سنة وأكثر… والوزراء أحصنة طروادة للنواب

أحد أهم عناصر نجاح الإدارة هو اختيار المساعدين، فهذا فن لا يمكن أن يتقنه البليد، أو المستند إلى “واسطة”، خصوصاً في الإدارة التنفيذية للدولة، لأن من واجبه تحقيق عناصر عدة، منها سن قوانين تخدم المستقبل، والسعي إلى النهوض، من خلال الاكتفاء الذاتي، الصناعي والغذائي، ومنع استغلال النفوذ الوظيفي، وأن تكون الدولة منفتحة على الآخرين، كي تستفيد منهم في الخبرات والاقتصاد، حتى تصل إلى الاستقرار الاجتماعي.
لذا، فإن أهم عنصر يعتمد عليه القائد التنفيذي هو فعل الأشياء الصحيحة لكي تكون المنظومة الإدارية سليمة، وللأسف، إن هذا الأمر لم يعمل به في الدولة منذ نحو 30 عاماً، لا سيما في السنوات الأخيرة حين تفاقم زحف النواب على صلاحيات مجلس الوزراء، لهذا رأينا كيف أصبحت “الواسطة” ميزة القياديين، والذين ساروا وفق ما يخطط لهم النواب، وليس ما يخدم مصلحة الدولة والمجتمع.
على هذا الأساس، فرض، مثلا، قانون منع الاختلاط الذي يهدف إلى “برقعة” المجتمع، ضمن مخطط أيديولوجي متخلف عفى عليه الزمن، وهو السعي إلى نقل التجربة “القندهارية الطالبانية” للكويت، وقد ساعد على ذلك ضعف مجالس الوزراء المتعاقبة التي عملت على ترسيخ تشريعات متشددة، منها ما يسمى الظواهر السلبية، ومنع الحفلات، والفرح، وهدم المرافق الترفيهية أو منع إنشاء الجديد منها، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف مع كل إجازة إلى الدول المجاورة للحصول على فسحة فرح ممنوع عليهم في الكويت.
بينما في المقابل، ارتفعت نسبة المدمنين على المخدرات، والجرائم، والعنف الاجتماعي ومنع السفر والإكراه البدني باسم الحفاظ على الحقوق، ولهذا فإن المواطن لم يعد لديه أي متنفس كي يفرج عن نفسه.
مثال على ذلك، من المضحك المبكي أن المعلمين الكويتيين لمادة التربية البدنية في المدارس الحكومية هم الأعلى، بينما في المقابل فإن نسبة البدانة بين أطفال الكويت هي الأعلى عالمياً، لعدم وجود مرافق تساعدهم على اللهو، كما أن نسبتهم بتعليم مادة الموسيقى تقارب مثيلتها السابقة، فيما يمنع القانون الأمسيات الموسيقية، أما عددهم في التربية الإسلامية يكاد يقرب من النسبتين السابق ذكرهما، ومع ذلك فإن أعلى نسبة تزوير شهادات عالمياً عندنا، ويكاد الغش يكتسح مدارس الكويت، والتسرب الوظيفي وعدم إنتاجية الموظف تسود معظم المؤسسات الحكومية.
إن هذا يدل على صناعة تخلف ممنهجة رسخها تيار التشدد حين استبد بإصدار القوانين، وجعل الوزراء أحصنة طروادة له يعملون وفق رؤاه، لهذا غابت أهم قاعدة في القيادة الناجحة عن الحكومات المتعاقبة، وهي “لا تنتظر أن توهب لك القيادة، بل تدرب وتعلم كيف تتحمل المسؤولية”، وهو ما فشلت به طوال العقود الثلاثة الماضية، لأنها لم تدرب المسؤولين على تحمل المسؤولية والإبداع في العمل، بل اكتفت بـ”هذا ولدنا” والتعيين بـ”حب الخشوم”.
لكل هذا حين ينظر أي مراقب إلى الكويت ويقارن حالها اليوم وبين ما قبل الغزو العراقي يكتشف بلداً معزولاً عن عالمه، مغلقاً أمام الناس، ليس لديه أي مناعة اجتماعية أو حتى وطنية، لأنه حين ينغلق أي مجتمع على ذاته تبدأ بالظهور الأمراض الطائفية والقبلية والرشوة والمحاصصة، لأن المواطن يقع تحت ضغط مادي ومعنوي جراء استلاب حق من حقوقه الأساسية، وقد فرض عليه بقانون مغاير للطبيعة أصلا.
لهذا كله، فإن القاعدة الأهم للإصلاح هي اختيار المساعدين الصالحين، وكذلك اختيار الناس ممثليهم، وليس المخربين الذين أهلكوا الكويت.

أحمد الجارالله

زر الذهاب إلى الأعلى