مختصر مفيد
يُحكى أن كبير اللصوص، واسمه حمور، أيام عصر المماليك، اقتحم وعصابته دار تاجر كبير، ووجد التاجر كبير اللصوص على باب غرفة نومه هو وزوجته.
فقال اللص حمور للتاجر: استر أهل بيتك، نحن لصوص.
فستر التاجر زوجته، ثم قال: خذ ما تريد ولا تقتلنا.
قال حمور: لن نقتلك، وما أتينا للقتل، فقط نريد الطعام ليومنا هذا.
قال له التاجر: كم أنتم؟ قال تسعة صبيان وأنا.
فأخرج التاجر لهم عشرة آلاف قطعة نقدية.
فقال له اللص: لا نأخذ إلا ما نحتاج إليه فقط، وأخذ ألف قطعة، وأعطى التاجر تسعة آلاف قطعة، وبينما اللصوص في طريقهم للانسحاب من الدار، لاحظ أحد اللصوص "حُق" (وهو وعاء صغير) فأخذه وتذوق ما فيه فوجده ملحاً.
فقال كبير اللصوص: بما أنك أكلت من بيت الرجل ملحا فلا يحق لنا أن نسرقه، وأمر الصبيان بجمع المال ورده كله إلى التاجر الذي أصرّ عن طيب نفس على أن يعطيهم 400 قطعة فرفض اللص حمور، فنزل التاجر إلى 100 قطعة فزاد إصرار اللص، فأراد التاجر أن يعطيهم طعاما، فانفعل اللص، ورفض مجرد مناقشة التفاوض مع التاجر.
وخرج اللصوص دون أخذ لقمة من بيت التاجر بسبب حبة ملح أكلها أحد صبيانه، لأن العرف وقتها أن من أكلت طعامه فلا يحق لك أن تؤذيه ولو كنت لصاً، ومن شربت ماء من بيته، أو ألقيت عليه السلام، ورد عليك فلا يحق لك أن تسرقه، أو تؤذيه، ولو كنت لصاً.
وبعد يا سادة، تلك كانت أخلاق اللصوص سابقاً، فكيف أخلاق اللصوص في زماننا، بل كيف أخلاقنا نحن مقارنة بأخلاق لصوص ذلك الزمان؟
وهناك قصة أخرى، وهي "توبة لص على يد طفل"، وهي من قصص الصدق لتعليم الأطفال، فقبل نحو 950 عاما، سافر فتى بصحبة قافلة فاعترضها لصوص، وأخذوا متاعهم ونقودهم، وعندما سألوا الفتى عما بحوزته قال "معي اثنان وأربعون ديناراً"، فتعجبوا منه، وظنوا أنه يكذب، وأخذوه لكبيرهم الذي سأله فقال له: "إنني عاهدت أمي على عدم الكذب"، هنا تعجب ذلك الرجل من أخلاقه، وقال له: أنت تخاف أن تنقض عهدك مع أمك، ونحن نقضنا عهدنا مع الله عز وجل؟!
فأمر الرجال أن يعيدوا ما أخذوه، ثم تاب هذا الرجل على يد الفتى، وبمرور الزمن أصبح هذا الفتى فيما بعد من أشهر رجال الدين العرب، إنه الشيخ عبدالقادر الجيلاني، أو الكيلاني كما يُلفظ أحيانا، لقد كان رجلا فاضلا، توفي في بغداد في عهد الدولة العباسية، وهناك الكثير من الأمثلة عن أخلاق العرب الفاضلة.
ليتنا تحلينا دوماً بهذه الأخلاق الطيبة، أنا لست مصلحاً اجتماعياً، لكن يؤلمني ما يحدث في بلدي من تدهور الأخلاق، وهي مسؤولية "الأوقاف"، والحكومة، والمثقفين، فمن عيوب "الأوقاف" أنها لا تتبنى المنهج اللين، ومقصرة في جذب الشباب الى دروس المساجد، وأغلب الوعظ والدروس الدينية هي أنشطة متكررة، ودعاة بلا تأثير، وهذا رأي أحد المتخصصين، ومن عيوب الحكومة أنها تبني الطرق والجسور والمستشفيات، ولا تبني شخصية المواطن من خلال التعليم، ليكون مواطناً صالحاً لوطنه، والدليل ما نشاهده يوميا من جرائم ومشاجرات، وعنف!
فرقٌ كبير بين مَن يرعى أبناءه، ومن يربيهم، الأول يوفر لهم المأكل والمشرب والملبس، والثاني يبني القيم والقناعات، ومعايير الخطأ والصواب.
[email protected]