اتجاه الصميم
أعجب من عدم المبالاة في شأن يهم مستقبل الكويت، ويحزنني، كما الكثير من المواطنين، أن الخطط المعلنة منذ سنوات، إما انها لا تزال حبيسة الادراج، أو انها استخدمت للاحتيال السياسي والمصالح الخاصة، فعندما تثبت الدراسات السنوية، ومنذ العام 2009 حتى اليوم، ان الكويت طاردة للاستثمار، ولا احد يتحرك من اجل النظر في الاسباب التي ادت الى ذلك، فهذه تعتبر مشكلة.
بينما في الدول الاخرى، فإن مجرد تقرير يصبح الشغل الشاغل للمسؤولين الذين يسعون من اجل انهاض بلادهم، لكن عندنا، وعلى سبيل المثال، حين رفع شعار "الكويت مركز مالي وتجاري" استبشر الكويتيون خيرا بذلك، لأنهم رأوا فيه منعطفا للخروج من مأزق الاعتماد على النفط كمورد رئيس للدخل، وهو فرصة لاثبات أن الكويت قادرة على مواجهة الازمات المفاجئة الاقليمية والدولية.
ان ما خسرته الدول التي لم تتحوط للمفاعيل التي ادت الى الازمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008، كان يمكن لنا ان نجعلها فرصة من اجل اثبات أن المجتمع المالي والاقتصادي اكثر ديناميكية من غيره في العالم، وأن من استطاع التغلب على ظروف البحر والصحراء قادر على التغلب على أي ازمات، لكن للاسف كان العكس، او كما قال ابن خلدون في مقدمته عند حديثه عن احوال الدول: "كل دولة تنتقل بين خمسة أطوار، هي: الظفر، والانفراد بالمجد، ثم الفراغ والدعة، ثم طور القنوع والمسالمة، ثم الإسراف والتبذير"، وهو ما ينطبق على الكويت حاليا، بل نزيد على ذلك الفوضى وعدم التدبير، والتقاعس عن حماية الذات عبر حماية الوطن.
لأنه للاسف عندما تتخلى مؤسسات مالية وتجارية، واقتصادية، وطبية، ودولية واقليمية، كبرى عن السوق الكويتية، جراء عدم تطبيق القانون، وعدم الالتزام بالمعايير المعمول بها في شتى انحاء العالم، وعندما تفرض مزاجية الاشخاص عليها، او توضع لها معايير غير واقعية، فإنها ستهجر الكويت، تماما مثل ما كان الوضع مع اصحاب المشاريع الصغيرة الذين وجدوا أنفسهم قبالة جدران من الممنوعات، فتعسروا في سداد القروض، او تركوا البلاد الى الدول المجاورة، التي وجدوا فيها ملاذات آمنة، وحيوية، وفتحت لهم الابواب للاستثمار.
معيب جدا ان نصل الى هذه الحال في الكويت، التي من المفترض ان تكون قد تعلمت الدروس والعبر من الماضي، وان تستفيد من الديمقراطية التي هي في الاساس ديمقراطية اقتصادية ومالية، وليست "مناجرة" بين النواب والوزراء، او احتكار الاعمال من هذا المتنفذ او ذاك.
بل المعيب والاكثر فداحة الا ترتقي الكويت، بكل مؤسساتها، الى مستوى اعلى بكثير من هذا الجهل الذي يتسبب في كل ما نحن نعيشه، فهل يعقل ان مؤسسات مالية، وتجارية، وطبية كبرى تطلب الدخول الى السوق الكويتية، فلا يصرح لها، وحين تتقدم لطلب الترخيص في الدول الخليجية الاخرى تحصل عليه فورا، بل تؤمن لها الحكومة هناك كامل التسهيلات، وفي غضون اسبوع واحد؟!
هل يعقل ان تطرد تلك المؤسسات من الكويت لان ما فرض عليها لم تفرضه اي دولة في العالم على المستثمر الاجنبي؟!
اليوم هناك نحو 35 في المئة من الاثرياء الاميركيين يسعون الى الحصول على جنسيات واقامات ذهبية من دول لديها مرونة ضريبية، ومنها اليونان وإيطاليا ومالطا والبرتغال وإسبانيا، والامارات العربية المتحدة، وهؤلاء لا بد انهم سيدعمون اقتصاد تلك الدول، فماذا فعلت الكويت التي رفعت شعار "الكويت مركز ومالي وتجاري عام 2035"؟ طردت المستثمرين، واقفلت أبوابها، ولن تعد تقبل حتى الزوار، فهل هكذا تتحول الدولة مركزا ماليا؟!
اللهم احفظ الكويت.
محام، كاتب كويتي