الجمعة 01 مايو 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
 د. حمود الحطاب
كل الآراء

الإنتاجية أو النهاية البطيئة

Time
السبت 13 أبريل 2024
د. حمود الحطاب
شفافيات

كنت اقص على الاطفال حولي قصة جميلة مسلية يحب الاطفال سماعها حتى ولو كانت مكررة مرات عديدة ولا يملون من سماعها ابدا بل يطلبون مني، وبشوق أن أحكيها لهم؛ ودعوني اقصها لكم واعرفوا مغزاها لاحقا إن شئتم البقاء معنا:

هناك حصان عجوز خرج من بيت صاحبه يمشي في الشارع، ودون ان يكون له حاجة في هذا الخروج، فقابل بقرة عجوزا خرجت هي الأخرى من بيت صاحبها، فسألها الحصان: ما الذي اخرجك؟

فقالت: إنني كنت أعيش عيشة كريمة في بيت صاحبي، وكانوا يعتنون بي ويقدمون لي كل انواع الطعام المفيدة، والتي كانت تجلب لهم مني كميات كبيرة من الحليب يوميا يصنعون منها اللبن واللبنة والجبن والقشطة والزبدة؛ وكان صاحب البيت الذي اعيش فيه يأخذني الى الحقل والمزرعة التي يملكها فيربطني الى ساقية الماء حيث يكلفني أن ادور في الساقية لأخرج الماء من البئر فيسقي الزرع.

وكنت اعمل منذ الصباح الباكر وحتى غروب الشمس، وانا سعيدة ودون كلل او ملل، ثم يصطحبونني للبيت هناك حيث اجد الطعام الذي يقدمونه لي؛ وهذه يومياتي في الحياة وأنا سعيدة بهذا العمل المنتج الذي يفيدني ويفيد كل من حولي؛ وقد مضى عليَّ في هذا العمل سنوات طويلة لم اتوقف فيها حتى يوما، فليس هناك استراحة ولا إجازة يعطيني اياها صاحبي، الا اذا مرضت فهو يريحني اياما عدة حتى اشفى واطيب ثم اعود للعمل من جديد.

لكني الآن كما ترى كبرت وضعف جسمي وتقوس ظهري، واصبحت هزيلة، واضحة تحت جلدي الذي تجعد هو الآخر، فقل اهتمام صاحب المنزل فقلل من كمية الاكل التي يعطيني اياها، واصبح لا يحميني في الماء، ولاحتى يعتني بالمكان الذي اقيم فيه، وسمعتهم يتناقشون ويقولون دعونا نذبحها ونأكل لحمها، ونوزعه على الجيران؛ ويعترض اكثرهم قائلين انها بقرة هزيلة لا لحم فيها ولا فائدة ترجى من ذبحها، ويقولون فما فائدة وجودها في المنزل، وهي قد اصبحت عجوزا لا تنفع، وتسبب لنا خسائر كثيرة من اكلها، وتحتل مكانا في البيت وتشغلنا بعلاجها حين تمرض.

ولما سمعتهم يتناقشون حولي ويقولون هذا الكلام، قررت ترك المنزل، والخروج، ودون ان اعرف اين اذهب، وكيف أحصل على الطعام؛ وقد خشيت ان يذبحوني في آخرالمطاف؟

ثم سألت الحصان: وأنت ما الذي اخرجك في هذا الوقت المتأخر من الليل، فقال: ان لي حكاية تشابه حكايتك، وهي قريبة منها، وتتناسب مع طبيعتي؛ وهكذا قررت ان اخرج من المنزل؛ وقال الحصان؛ دعينا الآن نبحث عن الطعام فإني اشعر بالجوع.

وبينما هما يمشيان قابلا معزة عجوزا، فحكت لهما ما الذي أخرجها من البيت، وقالت قصة مشابهة لقصة البقرة والحصان فيما يتناسب وطبيعتها؛ فانضمت اليهما في البحث عن الطعام، حتى قابلت كلب حراسة قص عليها قصة تضايق اهل البيت منه، بعد أن عجز وشاخ واصبح لا يستطيع العمل والانتاج.

وفي الطريق قابلت ديكا وقطة وبطة حكت للجميع ما اصابها بعد ان فقدت قدرتها على الانتاج المفيد للناس؛ وهكذا اصبح عددها كبيرا من الحيوانات العجائز؛ وعندما توغلت في الغابة مسافات كبيرة، وجدت بيتا كبيرا مهجورا فيها، وتنبعث منه اصوات عالية تدل على وجود شجار كبير في هذا المنزل؛ فاكتشفت أنها مجموعة من اللصوص يتشاجرون حول نصيبهم في اقتسام المال الحرام الذي سرقوه، فقررت الحيوانات ابلاغ الشرطة، وركب القط فوق الحصان، ومعهما الكلب للحراسة، وجاءت عناصر الشرطة مسرعين، ومعهم بنادقهم وطوقوا المنزل، واقتادوا اللصوص الى المخفر.

ثم قال قائد الشرطة للحيوانات: اسمعوا ايتها الحيوانات الطيبة الاليفة المخلصة؛ سيكون هذا المنزل منزلكم جميعا؛ وستقدم لكم الشرطة كل ما تحتاجونه من طعام؛ وستعتني بصحتكم، وأمنكم وكل احتياجاتكم؛ وهكذا عاشت الحيوانات العجائز سعيدة مع بعضها بعضا في هذا الملجأ القديم.

كنت اقص على الاطفال هذه القصة واتعجب من عدم مللهم منها، ولم افطن لحظة الى أنها تحكي الواقع الذي سنعيشه يوما عندما نكبر ونصبح بلا انتاج.

لم افطن لهذا المغزى الذي تحكيه بلطافة عن حال تخلي المجتمع عن اعزائه عندما يصبحون بلا انتاج؛ فلا يجدون من يهتم بهم، او حتى يسعد بسماع كلامهم ومشاركاتهم، فما الحل اذا؟

وللحديث بقية إن شاء الله...استودعكم الله ايها الاصدقاء والذين قد تعانون مثل ما يعاني كل من افتقد المجتمع انتاجيته.

 كاتب كويتي

[email protected]

آخر الأخبار