مشهد من مسرحية "ساحرة الشمال"
عمل مسرحي سينضم إلى قائمة "الخالدة" في "أبو الفنون"
تلبية لدعوة الفنان الدكتور عبدالعزيز المسلم، لحضور عرض الجمعة من مسرحية "ساحرة الشمال"، يمكن القول بأنها المسرحية المحلية الوحيدة، التي شهدت بذخا انتاجيا عالي التكاليف وبأرقام فلكية بمئات الآلاف من الدولارات انتهت إلى تقديم عمل مسرحي مغاير عن السائد، العرض اتسم بالفرجة البصرية، قصة مشوقة مستوحاة من تراث الجزيرة العربية تم توظيفها بشكل محترف اسقاطا على القضايا المعاصرة في حبكة درامية لا يجيدها الا فنان محترف بمكانة وحنكة الدكتور عبدالعزيز المسلم.
سيتذكر كل من تجمعه متابعة للمسلم، من أول مسرحية رعب قدمها حتى العام 2024 بأن "ساحرة الشمال" لم يأت بقبلها، وأن عشرات المسرحيات التي سبق أن قدمها المسلم، ستكون في كفة وهذا العمل المسرحي في كفة أخرى، وفعلا سيجد المسلم، نفسه أمام أسئلة مشروعة ماذا سيقدم بعد هذا العمل؟ هل سيتم ضخ مئات الآلاف من الدولارات من جديد؟ هل بمقدوره الاستعانة بالفرق الأفريقية الاستعراضية، التي تم الاستعانة بها خصيصا للعمل الحالي، وبالنسبة للامكانيات الهائلة التي تم توفيرها ماذا سيكون مصيرها؟ في حال القيام بجولة للمسرحية الديكور والسينوغرافيا وفريق العمل كيف يمكن نقلها؟، هذه الاسئلة قفزت أمامي وأنا أشاهد عمل جبار للفنان المسلم وفريقه، من ناحية النص والأزياء وأداء الممثلين، الحدوتة التراثية التي تتناول قصة "ساحرة الشمال" وهي قصة حقيقية كانت لطيفة وغير معقدة تمت صياغة أحداثها بشكل سلس، جمل مختصرة ذات عمق لا تخلو من "الإفيه"، المسرحية ليست ضاحكة فقط انما تحمل قيما ذات أهمية كما يتبطنها عشرات الاسقاطات عن الحال المعاصر والغايات التي ترضي الشعب والمسؤولية الملقاة على الشعوب من أجل استقرار بلدانها وتطويرها، وحرص المسلم على المباشرة في ايصال رسالته فوق الخشبة والرمزية عندما يتعلق الأمر بالمحيط.
الأداء
ربما يلفت أبطال المسرحية الفنانين عبدالعزيز المسلم وفتات سلطان، الانتباه كونهما بطلي العمل ومنهما تنطلق الاحداث وتعود، مجسدين الساحرة وهيبة "مبروكة" وزوجها "سالم"، لكن في الحقيقة هناك عناصر أدائية "شالت" المسرحية وكان كل من الفنانين حسن إبراهيم وعبدالله المسلم، رافدان يسيران بخط متواز خلف المسلم "العود" وفتات، هذا التناغم كان بمثابة جرعات استمتعنا بها طوال العمل، شخصية "بو غانم" التي جسدها عبدالله عبدالعزيز المسلم، كانت لاعبا رئيسيا ابتداء من المشهد الثاني عندما دخل في عمق اللعبة بمشاهد "ماستر" جمعته مع والدته وفتات، المسلم الصغير لطالما ظهر في أعمال والده ممثلا ومخرجا لكن هذه المرة ظهوره مختلف جدا، وإذا ما استمر بهذا المستوى وهذه الاحترافية سيكون نجم "مسرح السلام" في القادم من الأيام، فهذا الشبل من ذاك الأسد، وهنا نلفت الانتباه الى حرص المسلم كمخرج في توزيع الأدوار بحسب الامكانيات، هو لم يرهق الممثلين انما اعطى كل ذي حق حقه، لذا جاء الأداء منذ رفع الستارة حتى تحية الختام بشكل حيوي وفاعل ولم نشعر بارهاق الممثلين.
التناغم الذي جمع بطل المسرحية "سالم" عبدالعزيز المسلم، و"وهيبة" فتات سلطان، كان الخط التمثيلي الدرامي الأهم، مشاهد رئيسية في صلب الاحداث، الجمل التي حرص عليها المسلم كمؤلف، كانت تأت على لسانيهما في إشارة إلى ضرورة الاستماع لصوت العقل والنصيحة والأخذ والعطاء، الفنان حسن إبراهيم الذي لفت الانتباه في دراما رمضان بتقمصه "الكراكترات" الصعبة أثبت من جديد بأنه رقم صعب فقط "ضعه بالمكان الصح" واستمتع بأدائه التمثيلي، باقي فريق العمل جميعهم من دون استثناء مي البلوشي، علي العلي، شيماء قمبر، ايمان قمبر، القريشي، والجميع كانوا رائعين.
السينوغرافيا
من أهم عناصر نجاح مسرحية "ساحرة الشمال" السينوغرافيا، ديكور وأزياء وموسيقى وإضاءة، عندما يقف وراء هذه العناصر فريق محترف "حط في بطنك بطيخة صيفي" أو مثلما يقول المثل "حط فلوسك بالشمس واقعد بالظلال"، توفير السخاء والبذخ المادي المطلوب يدفع كل مهندس مسؤول للعمل مرتاح البال، لذا كان واضحا بأن مهندس الديكور فهد المذن، عمل بمزاج على توفير فكر ورؤى المسلم، لذا كان الديكور بمثابة مسرحية منفصلة، مسرح مكشوف، قطع ديكور بأحجام ضخمة، خشبة أرضية عبارة عن قرص دائري متحرك، استثمار كل متر من الخشبة عرضا وطولا، اجادة استغلال كل المساحة ورغم كثرة أعداد الاستعراضيين لم نشعر بالزحمة بل كانت الحركة انسيابية مثلما حدثت ونحن ندخل الى المسرح من دون فوضى، فقط كان الرعب هو من يرافقنا حتى جلوسنا على المقاعد المخصصة، ولن نتجاوز ألعاب الخفة للبحريني علي ثامر والخدع البصرية التي أضافت تشويقا للجمهور.
الموسيقى
ربما تكون الموسيقى والاغنيات هي السمة الأبرز في مسرح العيد ولاحظنا ذلك من خلال الترويج للأغنيات في "السوشيال ميديا"، كلمات الاغاني في مسرحية "ساحرة الشمال" حملت توقيع الشاعر الغنائي ساهر والألحان عادل الفرحان، وكانت ممتعة جدا، وتم اللجوء لأكثر من لوحة استعراضية غنائية في الفصل الثاني، الذي يحتاج في أحد المشاهد التمثيلية الى "تكة خفيفة" في الحوار من أجل الحفاظ على الايقاع المتسارع للممثلين وهو مشهد جمع بعض الممثلين بغياب "سالم"، الأمر الذي نؤكد عليه من جديد أن بوجود المسلم "العود"، يكون الايقاع في أداء الممثلين أكثر سرعة فوجوده يدب الحركة داخلهم.
المسلم: تركي آل الشيخ صاحب الفكرة والداعم
اعتبر د.عبدالعزيز المسلم، ان مبادرة رئيس هيئة الترفيه المستشار تركي آل الشيخ، حافز كبير وثقة في طاقم العمل عندما تقدم بفكرة مشروع رعب فني مسرحي بامكانيات عالمية، وقال المسلم: باسم جميع فناني الكويت، الشكر للمستشار تركي آل الشيخ، لرعايته الحقيقية لنا ودعم السعودية الغالية لنا بفتح الإبواب ومنحنا الدعم الحقيقي من تحفيز وتشجيع معنوي ومادي كبير، وبإذن الله جولتنا المقبلة في المملكة، ونراهن على تقديم عرض مسرحي عالمي سينال إعجاب أهلنا في السعودية.
وأشار المسلم، انه تم البناء وتجهيزات هذا المشروع المسرحي لكي يعرض في جولة المملكة بموسمها الجديد بعدة مسارح بجميع مناطق السعودية، الرياض وجدة والشرقية والأحساء وعدة أماكن حسب ما تراه هيئة الترفيه، بعد تقديمه في الكويت، والذي سيقوم صناعه بتطوير المسرحية وعمل النسخة المطورة التي تتناسب مع جولة المملكة، ليكون من الاعمال المميزة، التي تعرض في جولة المملكة المقبلة.
نجما العمل عبدالعزيز المسلم وفتات سلطان
المسلم الأب والابن عبدالله في العرض