اتجاه الصميم
الإيمان بالدستور والديمقراطية، ليس ترفاً، ولا يمكن التعامل معهما على اساس الحاجة الموقتة، ومن ثم التخلي عنهما عندما تنتفي الحاجة اليهما.
كذلك لا يمكن التعامل مع القضايا المصيرية بالمزاجية، لهذا عندما نتحدث عن ضرورة تكويت الوظائف علينا قبل كل شيء تأمين العنصر الوطني، وليس الاكتفاء بالشعارات، كما يجري اليوم، فيما الحقيقة ان ذلك كلام حق يراد به باطل.
كما ان بناء مؤسسات ناجحة لا يكون الا عبر خبرات متراكمة، وهي تدل على مدى نضج المجتمع.
لهذا حين يكون الحديث عن مجتمع ناضج، يضع علماء الاجتماع جملة معايير، اهمها استمرار التعلم من التجارب الخاصة او تجارب الدول الاخرى، وعدم الركون الى نتيجة سابقة والبناء عليها، وحين تستعين الدول بخبراء من الخارج، فإن الهدف هو التعلم منهم، وليس "الربادة" التي تعني الكسل والخمول، وتؤدي الى الفشل.
على هذا الاساس حين ابتعثت الكويت خيرة شبابها الى الخارج، لم يكن ذلك من اجل السياحة، انما للعلم كي تستعين بهما مستقبلا، لكن يبدو ان المقاييس انقلبت حين تسلم بعض انصاف المتعلمين مسؤوليات اكبر منهم، او على عادة الموظف الكويتي الذي "ما له خلق يشتغل" فكان الخريجون الجدد ضحايا هذه العادة الفاسدة، اكانوا من جامعات الداخل او الخارج.
في هذا الامر ثمة اسباب اخرى، تدل على ذهنية فاسدة، مثلا تعيين من ليس كفوءا في وظيفة تخصص بها شاب كويتي، وتعب لسنوات كي يخدم بلده، لكن العزوة القبلية، او الطائفية، او "الواسطة" فعلت فعلها، اصبح فيتامين "و" اكثر قوة من تعب السنين، لهذا نجد ان شريحة من الموظفين انتاجها يوازي يوميا 25 دقيقة، ورغم ذلك "روحه في مناخيره"، ويمكن ان يقاتل حتى ذباب وجهه اذا طلب منه انجاز معاملة ما، عندها علينا قرع جرس الانذار ان الفشل يحكم مؤسساتنا.
لهذا نجد، مثلا، موظفا لديه خدمة عشر سنوات، ولا يعرف كيف تنجز المعاملة، لان خبرته في الواقع هي اول ساعة تسلم فيها عمله، بينما العشر سنوات الاخرى كانت صورة طبق الاصل من تلك الساعة.
هذا يدل على المجتمع المتخلف، او بالاحرى، كما قال الكاتب الروسي تشيخوف "المجتمع الفاشل"، لهذا فإننا بحاجة الى تغيير الذهنية الادارية، حتى لو كان ذلك عبر عملية جراحية، لتخليص الادارة من كل العلل التي تسبب بها الكسل.
مناسبة هذا الكلام، ان هناك الكثير من الكويتيين الخريجين من جامعات عالمية، وهم مبتعثون من الدولة، اصبحوا بعد تخرجهم عاطلين عن العامل، لان "الواسطة" هي من تحدد مصائر الناس، وليس الحاجة الوطنية.
اذا كنتم لا تريدون ادمغة كويتية تعمل على التطوير، فلماذا تبعثون الشباب الى الدارسة في الخارج؟
هذا السؤال موجه الى وزيري الصحة والتعليم العالي، اللذين الى اليوم لم يحسما مصير نحو اربعين طبيبا كويتيا، تخرجوا حديثا، واليوم اصبحوا عاطلين عن العمل...ارحموا الشباب، واسمعوا شكاواهم، فالظلم ظلمات، والخدمة العامة ليست مزاجية انما هي عنوان لمجتمع ناضج.
$ محام وكاتب كويتي