مختصر مفيد
أثناء الحرب العالمية الثانية فـر كثير من مجرمي النازيـة هرباً من ألمانيا، فيا ترى أين ذهب هؤلاء، من المؤكد أنهم لم يفكروا باللجوء الى الدول المجاورة، كالدنمارك أو سويسرا، فماذا فعلوا؟
لقد ذهبوا الى أقصى بلد في العالم بعيداً عن الملاحقة والمطاردة والقبض عليهم، مثل تشيلي، استقلوا الطائرة أو سفن البحر الأطلسي وهربوا الى جبال الأنديز، وسفوح الجبال ليستقروا في الوديان، وربما في مكان ناءٍ بعيداً عن أعين العدالة، اذهب واختف فلا أحد سيجدك!
هكذا فـر بعض الألمان، وبمرور السنين نسي الناس قصتهم فاستطاع هؤلاء أو أبناؤهم ان يتبوؤوا مراكز سياسية في تشيلي، فهذا وزير وذاك مسؤول، وكلاهما من أصل ألماني هارب.
في غضون ذلك، هناك من هرب الى البرازيل، وحمل معه حقيبتين إحداهما محملة بالمال لتهريبه الى داخل البلاد كي يضعه في أحد البنوك فيصبح ملكاً له، أو يوزعه على بنوك عدة، بعد أن اختلس المال العام من دولته، أو باع المخدرات، وهذا ما يُطلق عليه "غسيل الأموال"، فلما هبطت به الطائرة مطار البرازيل آتية من أوروبا قال له موظف الجمارك: "هل معك شيء ممنوع"؟
أجاب بالنفي، ففتح الموظف الحقيبة الأولى ووجد فيها كيساً من القهوة فضحك، والتفت الى رفاقه بالمطار مبتسماً يسخر من المسافر، فالبرازيل موطن القهوة، ولما فتح الحقيبة الثانية وجدها مملوءةً بمبلغ ضخم من الدولارات الأميركية، هنا قال الموظف للمسافر: "أهـلا وسهلاً بك في البرازيل"! أي سمح له أن يأخذ الحقيبة ويدخلها البلاد ولم يصادر المبلغ.
كانت البرازيل بلداً سهل الدخول إليه، لم توقع اتفاقية تبادل المجرمين مع دول العالم، أي بإمكان المجرم الهارب من بلدٍ ما أن يلجأ إليها، ويستطيع ان يتحرك بحرية، ويختفي عن الأنظار بعيداً عن حكومته، أو الدولة التي ارتكب فيها الجريمة، ولا أدري حقيقة هل مازلت البرازيل على هذا الوضع.
هناك من الوافدين من يفر من الكويت بعد اختلاسه الأموال، وهناك من فر منها بعد ارتكابه جريمة قتل، ففي عام 2018 فر لبناني الى بلاده بعد ارتكابه هو وزوجته جريمة قتل خادمة آسيوية، واستطاعت السلطات اللبنانية القبض عليه، لكن وفق القانون اللبناني فإن "لبنان لا يسلم أي مواطن لبناني ارتكب جرما خارج البلاد، وتم توقيفه في الداخل اللبناني".
لماذا لم تبرم الكويت "اتفاقاً ملزماً" لتبادل المجرمين مع لبنان والدول الأخرى؟
منذ الاستقلال وطوال نصف قرن لم نسمع أنها تسلمت المجرمين الفارين، شاطرين فقط في منح الأموال ومساعدة العرب وغيرهم، وعندما نحتاجهم لفرض العدالة لاأحد يكترث أو ينصت لنا، الكل يدير ظهره!
هناك من العرب من يختلس أثناء عمله في الكويت ثم يفر هاربا الى بلاده، وما أكثرهم، ثم نقرأ ان القضاء الكويتي قد قرر سجنهم وتغريمهم، كيف وهم قد فروا بالأموال المسروقة، هل لأحكامه القدرة على استعادتهم للكويت لإيداعهم رهن السجن وتغريمهم، هل البلد العربي يستجيب لأحكام القضاء الكويتي؟
ربما تكون هذه الأحداث درساً للكويت لإعادة تنقيح وغربلة علاقات الكويت مع دول العالم من جميع الجوانب، ومعالجة الخلل، لا تقللوا من شأن دول البحر الكاريبي والهادي، ففي وقت ما اختلس مسؤول في الكويت أموالا من الدولة وفر هارباً الى "جزر البهاما"، ومات هناك قبل سنتين، أو ثلاث.
تعتبر جزر المحيط الهادي مأوى جيداً للهاربين من جرم ما، لذلك على حكومتنا ان تسد النقص في عمل القضاء، ووزارة الخارجية بإبرام "اتفاق ملزم" يتم بمقتضاه تبادل المجرمين مع جميع دول العالم، فلا نترك المجرم يفلت من وجه العدالة.
[email protected]