مختصر مفيد
هناك توجه حكومي لإلغاء أسماء الشوارع، واستبدالها بأرقام (ما عدا الشوارع التي تحمل أسماء رؤساء دول)، وهي فكرة جيدة ورائعة، فلو سألتك أيها القارىء الكريم: أين يوجد شارع ابن المقفع، أو شارع شرحبيل في حولي؟ نقول بالكويت "عص عليك تعرفه "، (وهي كلمة عربية فصيحة، بمعنى "صلُب واشتد" عليك معرفته).
لا تقل لي أعطني خريطة "غوغل" لأذهب إليه، فما استعملناها إلا اخيرا، لماذا لم نطور مدينتنا ونفعل ذلك قبل 60 عاما، أو حتى قبل سنوات، مثلما فعلت البرازيل؟
عاصمة البرازيل على شكل طائرة، لها جناح جنوبي وآخر شمالي، ومعظم الديبلوماسيين والسفارات يقطنون الجناح الجنوبي، وبطن الطائرة هو وسط العاصمة، ومقر الوزارات والسوق، ورأس الطائرة هو القصر الجمهوري، فكأن مقر رئيس الدولة هو قائد الطائرة.
في العاصمة أرقام للشوارع والسكن يسهل الوصول إليها على الفور، فلقد عملت في سفارتنا في برازيليا في سنة 1986 وعشت هذه التجربة، فقد كان عنوان مسكني" 314 المبنى ك" في الجناح الجنوبي، فلما أهبط في مطار العاصمة، وأستقل الـ"تاكسي" نمر على شوارع فيها لافتات أرقام، فهذه اللافتة برقم كذا، وتلك برقم آخر، فلما أقترب من اللافتة 300 أعرف أني اقتربت من شقتي، فتعرف ان عليك الإستمرار قليلا في القيادة حتى تصل وجهتك، أو انك تخطيت رقم العمارة، أو المسكن.
أما لدينا فيصعب الوصول الى اسم الشارع، فأين يوجد شارع شرحبيل في حولي، هل الشارع بالقرب من شارع تونس، أم متفرع من شارع ابن خلدون، وفي أي قطعة سكنية بالضبط؟ يقول مواطن: "ليت الحكومة تبدأ بإلغاء اسم حسن البنا من أحد الشوارع وتستبدله برقم".
عاصمة البرازيل ذات مستوى بارع من التخطيط، ربما لم يخطر على بال أي مهندس في أي مكان في العالم، فأنت تقود سيارتك من دون أن تتوقف عند أي إشارة للمرور، فالسائق يمر من تحت جسر صغير، وفي الوقت نفسه تعبر السيارات فوق الجسر ذي الطريقين، وضع يشبه تقريباً الجسر الموجود أسفل دوار الجوازات مقابل منطقة الرميثية عندنا، وبذلك يصبح لدينا سائق سيارة يتجه من الدائري الخامس نحو السالمية فيهبط قليلاً بسيارته تحت الجسر، وعلى الجسر تسير السيارات بطريقين، هذا يذهب ناحية اليمين، وذاك ناحية اليسار.
وإذا استمر السائق في السير سيقترب من جسر آخر فيهبط أسفله، وفوقه سيارة تذهب ناحية اليمين، وأخرى ناحية اليسار، وإذا أراد العودة للخلف سار على درب يعود به ناحية الخلف، أي يعود به الى "الدائري الخامس"، كل ذلك من دون إشارات المرور، فلا ازدحام مطلقا، بل ولاحوادث. يُعزى الفضل في تصميم عاصمة البرازيل بشكل هندسي رائع الى المهندس البرازيلي أوسكار نيميير، الذي رسم شكل المدينة بين الفترة من 1956 الى 1960، أي قبل استقلال الكويت، هذا المهندس المعماري الفذ، الذي عاش حتى ناهز المئة من العمر صمم نحو 600 مشروع هندسي داخل البرازيل وخارجها، من بينها مبنى سكرتارية الأمم المتحدة في نيويورك، ومبانٍ في مدن أوروبية، وكانت له خبرة معمارية بلغت 78 سنة، فجعل العاصمة برازيليا مدينة عصرية تخلو من إشارات المرور، وتسبق مدن العالم بهذه الفكرة، بل إننا لم نرَ في برازيليا حادث مرور واحدا.
نقول هذا الكلام لأن وزراء التخطيط، أو الإسكان، الحاليين والسابقين كانوا، ومازالوا، يتفقون مع شركات صينية أو كورية لإنشاء مدن إسكانية جديدة في الكويت، بينما كان الأجدر ان تطلع حكومتنا على تجربة البرازيل، لا ان يكون جـل اهتمامها رخص سعر المناقصة، أو البناء فقط.
فلو كنا فعلنا ذلك من قبل لوفرنا الكثير من المال، وابتعدنا عن المشكلات المرورية، مثل الازدحام وحوادث الطرق.
[email protected]