دار حديث مهم بين سمو الشيخ مشعل الاحمد والأمير سلطان بن عبدالعزيز، رحمه الله، وكنت المستمع الكويتي الوحيد. أتذكر الان هذا الحديث وانا اشاهد تطبيقه على ارض الواقع، منذ ان اصبح سمو الشيخ مشعل الاحمد اميراً لدولة الكويت. قبل أربعين عاماً تقريباً كنت مستشاراً في الوفد الدائم لدولة الكويت لدى الأمم المتحدة في جنيف، وكان الأمير سلطان يرقد فى احد مستشفيات جنيف، وكان سمو الشيخ مشعل يقضي إجازته السنوية في جنيف كالعادة.
زار سمو الشيخ مشعل الاحمد الامير سلطان في المستشفى للاطمئنان على صحته، وكنت برفقة سموه بصفتي القائم بالأعمال، لوجود السفير المندوب الدائم في اجازة، ولم يحضر هذا اللقاء الثنائي إلا أنا ومندوب المملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف الدكتور مدحت شيخ الارض، الذي كان طبيب الملك عبد العزيز، رحمه الله، وكان الملك عبد العزيز يقول له: "إذا كنت انت شيخ الارض نحن من نكون"؟ كان عمره في ذلك الوقت يقارب الثمانين عاماً، ولا اعتقد انه كان منتبها للحديث الذي دار بين هذين القطبين، اما انا فقد استوقفني الحديث كثيراً، ومازلت أتذكره جيداً.
كان الحديث عاماً عن الكويت والسعودية، ثم ضرب الأمير سلطان مثلاً بالكويت، وقال: "انتم في الكويت يحتد النقاش بين الوزراء والنواب في مجلس الأمة حتى يكاد المرء يعتقد ان الفريقين لن يتفقا أبداً، وان القطيعة أبدية، ثم تنتهي الجلسة ويخرج الفريقان مبتسمين، ويتبادلون أطراف الأحاديث الودية، ولا كأن شيئا قد حدث بينهم قبل دقائق قليلة.(انتهى الكلام). كلام جميل بحق الديمقراطية الكويتية، ولعل الأمير سلطان يقصد ان الخلاف لا يفسد للود قضية، وتعليقاً على ما كان يحدث في مجلس الامة، فهو اشبه بالمسرحية، وحدة النقاش زوبعة في فنجان.
لكن للحقيقة، والإنصاف نقول: ان هناك ايضاً إلى جانب ذلك مناقشات جادة، ونتائج ملموسة في بعض الامور، كان لنواب الامة دور رئيسي فيها.
اما الشيخ مشعل فقد كان رده مختلفاً تماماً، فقد قال سموه: "لا والله يا طويل العمر، أنا ارى ان الوضع غير طبيعي، وأنه يتجه من سيئ إلى اسوأ، ولو كان الأمر بيدي لوضعت حدا لما يحدث، وأعدت الامور إلى نصابها الصحيح".
بصراحة لم أتوقع ان اسمع هذا الكلام من كلا الطرفين، بل توقعت ان اسمع العكس تماماً.
نحن نتحدث عن حقبة الثمانينات، كانت الديمقراطية امراً مهما بالنسبة الى الكويتيين، وهي تعتبر اهم إنجازات الاستقلال، وان التقصير من الحكومات المتتالية التي انفردت بالسلطة مرتين عام 1976 وعام 1986، ولم تنجز شيئا يذكر، وليس من مجلس الامة المنتخب من الشعب.
مضت 40 سنة على هذا الحديث، وكلما استمعت إلى خطب صاحب السمو الامير الشيخ مشعل الاحمد، أتذكر ما دار في هذه الغرفة الصغيرة في احد مستشفيات جنيف، وكيف كان سمو الأمير الشيخ مشعل الاحمد على حق، وأنه كان ينظر الى الأمور من منظور أوسع، نظراً لقربه من اصحاب القرار بالدولة.
بينما كنت ارى ان الديمقراطية تستفيد من تجاربها، وتصحح نفسها بنفسها وتتطور، لكن الذي حدث العكس تماماً، فقد رأينا كيف ان الديمقراطية انحدرت إلى هذا المستوى الخطير الذي اضر بمصالح البلاد والعباد، كما توقع صاحب السمو الأمير. لهذا كان لا بد من وقفة جادة لاعادة ترتيب البيت الكويتي من الداخل، ووضع افكار سموه موضع التنفيذ، بعد ان تطورت مع تطور الحياة خلال الأربعين سنة الماضية، وقد بدت ملامح هذه الأفكار تظهر بالفعل على ارض الواقع، وبخطوات متسارعة، بعد ان تسلم سموه زمام الأمور في الدولة في 20 ديسمبر 2023.
ولو استمرت الأمور على هذا المنوال، فإننا سنرى الكويت قريباً وقد استعادت مكانتها المرموقة بين دول العالم.
$ كاتب كويتي