الأحد 03 مايو 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
 أحمد الدواس
كل الآراء

قصة حقيقية في الحياة أو معنى الحرمان من النعمة

Time
الخميس 27 يونيو 2024
أحمد الدواس
مختصر مفيد

بالأمس، وبسبب الحر الشديد، انقطع التيار الكهربائي عن أكثر من 31 منطقة في الكويت، فأرجو من القارىء الكريم قراءة القصة التالية الى آخرها.

كنت صغيراً، لم أمر بتجارب الحياة، بدأت حياة مهنية شاقة، فقد نُقلت للعمل بالسفارة في الخرطوم، وعمري 24 سنة، ولما وصلت الخرطوم في 31 أغسطس 1974، استقبلني زميل عمل على أرض المطار ثم دخلت مسكني، صُدمت أن الكهرباء مقطوعة، وأنها تنقطع معظم ساعات النهار والليل.

وبالطبع ينقطع وصول الماء الى المنازل لأن مولدات الحكومة الكهربائية لا تعمل، ولما تتوقف هذه المولدات لا يستطيع الناس تعبئة سياراتهم بالبنزين، ولا قراءة الصحيفتين الرسميتين "الأيام" و"الصحافة"، عذاب ومشقة تلو أخرى.

ومن صعوبة الحياة أنك لا تجد رغيف الخبز في ساعات الصباح الأولى، ولا محال سندويش، ولا "سوبرماركت"، وبالطبع لا مجمعات تجارية.

كنا نتمنى أكل النخي، أو الباجلة أو الفستق، لكن هيهات ان يتحقق هذا الحلم، وإذا أنت امتلكت اسطوانة غاز للطبخ فأنت تمتلك ثروة، ونحتفظ بالرز والفستق الذي جلبناه معنا من الكويت، فنستهلك منهما مقداراً معيناً ليبقى عندنا نحو ستة أشهر، وكان هناك دكان في منطقتنا السكنية التي تتواجد بها السفارتان "الكويتية" و"السعودية" يبيع السردين، والزيتون، والجبن الأبيض، أقول دكان، يتباهى بأنه "سوبر ماركت"!

في ذلك الوقت كانت العطلة فقط يوم الجمعة، وقد نعمل فيه حيث نذهب للمطار لاستقبال الوفد الرسمي الكويتي الزائر على متن طائرة الخطوط الجوية الكويتية التي اختارت ان تهبط بالخرطوم يوم الجمعة! أي كأننا نعمل من دون توقف مدة 6 سنوات.

في بداية الوصول تساءلت كيف أقضي السنوات في هذا البلد؟

لقد عشت تجربة قاسية، كنت في مسكني أقرأ على ضوء الشموع كتاب "الاقتصاد" للكاتب البارع سامولسن، ومجلة "نيوزويك" الأميركية رغم حرارة الطقس، فإذا ضاق بي الوضع ذهبت الى فندقٍ للقراءة، وهناك أجد نصف الفندق مضاء ونصفه الآخر في ظلام، مع مواصلة دراسة اللغة الفرنسية في المعهد الفرنسي ما بين العصر والمغرب.

وما خفف عنا معاناة الغربة طيبة أهل السودان، فشعرنا كأننا بين أهلنا، وكنا نستمع الى إذاعة الكويت بوضوح من راديو ماركة "زينيت"، والكويت تبعد عنا مسافة أكثر من ألفين كيلومتر، مع صعوبة الاتصال الهاتفي مع الأهل.

ثم تحملنا مخاطر أمنية، كوقوع محاولتي انقلاب ضد الرئيس السوداني جعفر النميري في عامي 1976 و1977، وخرجنا بأمان بفضل من الله، أما اتصالنا الرسمي مع الكويت فكان عبر جهاز اللاسلكي، وتدريجياً تعودت على البلد، وبدلاً من أن أقضي فيه سنتين كحد أدني أمضيت ست سنوات، الى مايو 1980.

هذه المعاناة وقسوة الحياة جعلتني أقول: لو جرب الناس الحرمان لعرفوا معنى النعمة، عرفت أننا بالكويت بنعمة عظيمة بفضل الله، عرفت معنى الحرمان من الكهرباء، والماء، والطعام، بل كنا نعيش تجارب في الحياة، كنا نقرأ من الكتب، ونحترم من هم أكبر منا، نتحمل منهم جرح المشاعر، كانت لدينا مشاعر راقية، والإنسان كلما صقلته التجارب كلما أزال الصدأ عن نفسه، وأصبح بريقه لامعا.

لما عدت الى البلاد، شاهدت أن المنازل تضيء مصابيح كثيرة ليلا، وربما الى فترة الضحى، ففي كل بيت، مثلا، هناك 20 أو 40 مصباحاً مضاء، بدءاً من باب المنزل وسوره الى المدخل ثم الصالة والغرف، ولماذا المطبخ مضاء باستمرار، وهذا إسراف هائل.

ولأني عرفت قيمة ونعمة المصباح في السودان، فإني لا أضيء في منزلي إلا مصباحاً واحداً في صالة الطابق الأول، التي تطل على الشارع، ومصباحا في تلك الغرفة، وأضيء الثالث بغرفة مكتبي، ولا أقول هذا عن بخل أبداً، والله يشهد على ما أقول.

لذلك أرجو من إخواني المواطنين والمقيمين تقليل الإضاءة، والاكتفاء بإضاءة المصابيح الضرورية، فنحن بنعمة عظيمة لانشعر بها، والحمد لله.

[email protected]

آخر الأخبار